سلطويات عربية صاعدة
الإثنين, 02 أبريل, 2018 - 12:04 مساءً

أدت انتكاسة الربيع العربي إلى صعود نمط جديد من السلطويات العربية التي تسعى، بكل جهد، إلى تثبيت وضعها ونفسها، وتحاول ضمان عدم قيام أية هبّات أو انتفاضات جديدة قد تطيحها. وقد استفادت هذه السلطويات الجديدة من أخطاء ومآلات سابقاتها التي سقطت قبل سنوات، وهي تسعى الآن، بكل قوة، إلى إعادة بناء معمارها السلطوي بدعم داخلي وآخر خارجي، وذلك على أمل أن تقضي على ما تبقى من قوى حية تسعى إلى تحقيق التغيير السلمي المنشود.
 
ولعل أهم ملامح السلطويات الصاعدة في العالم العربي أنها أولاً لا تسمح، ولو بالحد الأدنى من الليبرالية الشكلية أو المقيّدة، كما كانت الحال قبل انطلاق الربيع العربي، سواء في مصر أو تونس أو اليمن أو البحرين أو غيرها من البلدان التي شهدت انفتاحاً سياسياً محدوداً، قبل أن تبدأ مرحلة الانفجارات الشعبية التي أطاحت رؤوس أنظمتها في بعض الحالات، وهزّت عروش آخرين. لذا فلا غرابة أن تترحم بعض النخب والقوى السياسية على الأنظمة التي سقطت، كونها لم تمارس القمع والقهر بالدرجة نفسها التي تقوم بها وريثتها حالياً.
 
وثانياً، تبدو هذه السلطويات منهمكة في عملية إعادة بناء أدوات القمع والقهر، وإغلاق كل منافذ التمرد السياسي أو الشعبي، سواء من خلال دسترة القمع وتقنينها عبر تشريعات أو من خلال استباحة الخصوم السياسيين، وترهيبهم بكل الأساليب، بما فيها التهديد بالقتل والتصفية والاختطاف. وهي لا تفعل ذلك مداراةً، أو من وراء حجاب، وإنما علانية ومن دون مواربة. بل أحياناً تفتخر بهذه السياسات القمعية تحت شعار الحفاظ على "هيبة الدولة" وحماية "الأمن القومي"... إلخ.
 
وثالثاً، تمارس هذه السلطويات الجديدة نوعاً من الانتقام السياسي، ليس فقط مع خصومها الإيديولوجيين كالإسلاميين مثلاً، وإنما باتت تنكّل بكل من له علاقة، بشكل مباشر أو غير مباشر، بالثورات والانتفاضات العربية. وكأنها تريد محو التاريخ العربي القصير خلال تلك الفترة من الوجود، الذي يعد، بالنسبة لها، استثناء، وأن الاستبداد هو الأصل. وهي عادت بشكل أكثر شراسة من سابقاتها، وتمارس القمع والقهر بشكل أكثر بشاعة وانتقاماً.
 
ورابعاً، بنت هذه السلطويات الجديدة تحالفات وثيقة فيما بينها، وهناك تبادل للخبرات فيما بينهما بشأن طرق القمع والقهر واستراتيجاتهما، وكأنها في مركب واحد يخشى الغرق، فالحلف الرباعي الذي يضم مصر والإمارات والسعودية والبحرين يستخدم أساليب القمع وتكتيكاته نفسها ضد المخالفين، وكأنهم جميعاً يقرأون من الكتاب نفسه. وكأنما اتفقوا على وأد أية محاولة للتفكير في التغيير السلمي. في حين تستخدم سلطاتهم اللغة والمفردات نفسها في الحديث عن المعارضة السياسية التي بالنسبة لهم "عميلة وخائنة"، ويجب التصدي لها.
 
وخامساً، تتبارى هذه السلطويات في نيل الرضا الأميركي والإسرائيلي، عبر تقديم تنازلات غير مقصودة لهما، سواء من خلال التطبيع المجاني مع الكيان الصهيوني، أو عبر عقد صفقات مالية واقتصادية وعسكرية مع إدارة دونالد ترامب الذي يدعم سلطويتها بكل قوة، وهو الذي يحسدها على ذلك.
 
وسادساً، تتبنى السلطويات الجديدة خطاباً "وطنياً" متعصباً يعرّف الوطنية من زاوية الولاء للنظام والأشخاص، وليس من خلال رابطة المواطنة. وهو خطاب يختلق شعوراً زائفاً بالتفرّد والتميز لدى أصحابه، باعتبارهم "الأفضل والأعظم"، على نحو ما تحدّث ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، في عشاء تم تنظيمه له أخيرا في واشنطن. هذه الشوفينية الوطنية غارقة في الذاتية، ولا تعير اهتماماً للاختلافات السياسية والدينية والمذهبية، بل تستخدمها لبناء هوية متخيلة، تساهم في تكريس الوضع القائم.
 
وأخيراً، تتبنى السلطويات الصاعدة سياسات اقتصادية لا تخدم سوى مصالحها، ولا تحقق فوائد حقيقية لمواطنيها. بل على العكس، يدفع المواطنون ثمناً باهظاً لهذه السياسات التي تتبع نمطاً نيوليبرالياً يهتم بتكديس الثروة والأموال لدى الفئات الغنية، ويزيد من فقر الطبقات الفقيرة وتهميشها. وهو ما يبدو واضحاً في حالة مصر التي رفعت دعم السلع الأساسية عن الفقراء، وتطبق روشتة قاسية للإصلاح الاقتصادي، تتماشى مع اشتراطات صندوق النقد الدولي. في حين لا توجد رقابة أو محاسبة على عمليات الإنفاق في السعودية. بكلمات أخرى، تقوم هذه السلطويات باللبرلة الاقتصادية والاجتماعية، لكنها ترفض أي نوع من الانفتاح أو اللبرلة السياسية، وذلك على نحو ما كانت تفعل بعض الأنظمة التي أسقطها الربيع العربي، وإن كانت السلطويات الجديدة أكثر قهراً وعنفاً.

التعليقات