لا تريدون الإسلاميين على أية حال . ولو تحولوا لجماعة السلام الأخضر ، ستفكرون أنهم يتآمرون على المناخ . كان إسلاميو تونس قد حسبوها جيدا، ولم يستميتوا على رئاسة الدولة أو أنهم لم يصلوا لرأس الهرم بقرار من الصندوق الإنتخابي . وأمسى عليهم التدحرج لأسفل هرم كل شيئ ،وبقرار من الجيش . كيف يحتفي علماني أو يساري تقدمي بنبذ الديمقراطية واستبعادها من السياسة مقابل استبعاد الإسلاميين ؟ عندما وقف الرئيس الراحل محمد مرسي أمام بوابة قصر الإتحادية فكرت وكتبت أن هذه بوابة السجن وليست بوابة الرئاسة ، أو أنني غششت الفكرة من اخي الأكبر ونسبتها لنفسي حتى لا يبقى في وعيي أي بصيرة للأخ سواء كان ضمن هرم العائلة أو هرم السياسة . لسنا بصدد التشبث بالنموذج الوحيد الذي نجح وتبقى سالما من الربيع العربي ، لكنه تشبث بتجربة كانت ديموقراطية حقا وكان علينا احتمال وجودهم في البرلمان وفي توزيع خارطة القوى أيا تكن نواياهم التي نحاكمهم بموجبها ، أظهروا الإذعان الكلي لقرار الصناديق ومبدأ الاختيار الشعبي وحصدوا مقاعد وجدناها أكثر من سقف الاطمئنان تجاههم . لا نحتمل الديمقراطية كعرب ، الفكرة تربكنا تماما ، وقد استجبنا لوعينا الجمعي الباطن وهو لا يطمئن لحاكمية غير حاكمية الغلبة . كانت تجربة جيدة في تونس ، وباعثة على التفاؤل ، لكن قيسا فضل تلويحات نتائج الحاكم العربي "99%," وكأنها الشرعية القابلة وحدها للتداول في منطقة كهذه ، أما الستين أو ما يقاربها في المائة فهي تبقيه غير مطمئن وأقل ثقة بمشروعيته ولو كانت اختيارا شعبيا نزيها ، إذ لا يمكن للحاكم العربي الاطمئنان في الكرسي إلا عندما يختار نفسه أو يختاره الجيش . لقد ضاق قيس بالصورة الملهمة التي وضعه الوعي العربي الذي يمجد الديموقراطية ، وكان قد نجح ممثلا لأحلام أكثر العرب الباحثين عن نموذج ملهم ، واختار نموذج مابعد التجريب ومابعد الخطوة الأولى الصائبة مرتدا لماراثون : لا تثق بقرار الغالبية الجاهلة ، الجيش يعرف مصلحة الشعب أكثر ولا مخاطر أشد من مخاطر الديموقراطية الكاملة . خلع قيس بدلة الرئيس الشبيه برؤساء العالم الحر وبدلا من أن يشبه أيا منهم فضل أن يشبه السيسي لنشبه بعضنا ويكتمل كورس الخيبة . والآن يمكنك تصفح المواقع لتقرأ رأي النخبة وهي تدين الإسلاميين بوصفهم الجناة على التجربة الديموقراطية في تونس وليس الرئيس أو الجيش . إنها الرقصة ذاتها من خطوتين ، يجب أن يكونوا ضحية المحاولة والجناة في آن . وكأنهم لا يصلحون غير جماعات سرية أو مهندسي عبوات ومقاتلين في حروب لا تخصهم أو خلف القضبان . وعندما يذعن الإسلامي لقرار الصندوق فكأنه فقط يضع السلاح جانبا ويوقع وثيقة دخوله السجن . أفكارهم وما نعرفه وما ندافع عنه وما نرفضه من ايدلوجيا تريد تمثيل الله من خلال السياسة هي حقائق ، لكن من يمتلك الشجاعة الكافية للتعامل والحقائق المرة ، حقيقة أنهم بعض من أفكارنا ، وأن عليك منح من يفكر على نحو مختلف أن يخوض تجربة التطبيق والإعلاء من برنامجه بالديمقراطية وليس بالسلاح . الآن تونس دخلت النفق وبدأت السباحة مع اسماك القرش. اللعنة على هذا كله.