بلا قيود: تفاهمات عمّان تطور إنساني يستوجب معالجة شاملة لملف الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري

- غرفة الأخبار الثلاثاء, 19 مايو, 2026 - 06:33 مساءً
بلا قيود: تفاهمات عمّان تطور إنساني يستوجب معالجة شاملة لملف الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري
[ خلال توقيع الأطراف اليمنية على اتفاق الأسرى بحضور أممي ]

قالت منظمة “صحفيات بلا قيود” إن التفاهمات الأخيرة المعلنة في العاصمة الأردنية عمّان بشأن تنفيذ صفقة تبادل واسعة للمحتجزين والمختطفين بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي، برعاية الأمم المتحدة، تمثل تطوراً إنسانياً مهماً واستجابة طال انتظارها لمعاناة آلاف الأسر التي انتظرت لسنوات طويلة الإفراج عن ذويها، بما يعيد التأكيد على القيمة الإنسانية العاجلة لهذا المسار، وأهمية المضي في تنفيذه بصورة كاملة ودون تأخير.

 

وأكدت المنظمة أن نجاح هذه التفاهمات يظل مرهوناً بتنفيذها الكامل والفوري وغير الانتقائي، بما يضمن الإفراج عن جميع المشمولين بها دفعة واحدة، دون أي تأخير أو إعادة فرز أو استبعاد لاحق، مشددة على أن أي إخلال بذلك يقوض الطابع الإنساني للاتفاق ويمس جوهر الالتزام الإنساني والقانوني الذي قامت عليه هذه التفاهمات.

 

وأوضحت المنظمة أن هذه التفاهمات، رغم أهميتها الإنسانية بوصفها تفتح نافذة لمعالجة أحد أكثر الملفات تعقيداً في اليمن، تكشف في الوقت ذاته اختلالات بنيوية في المقاربة القائمة لملف المحتجزين، وفي مقدمتها استمرار ربط الحق في الحرية ومعرفة المصير بالقوائم التفاوضية، والخلط بين أسرى نزاع مسلح يخضعون لأحكام القانون الدولي الإنساني، ومدنيين تعرضوا للاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري خارج أي أساس قانوني.

 

وأضافت المنظمة أن هذا التباين يثير إشكالاً جوهرياً يتعلق بكفاية الضمانات الحالية لحماية جميع الضحايا بصورة متساوية، ويؤكد الحاجة إلى مقاربة قانونية أكثر دقة تميز بين الفئات المختلفة، دون أن ينتقص ذلك من الحق الأصيل لكل الضحايا في الحرية ومعرفة المصير باعتبارهما حقوقاً غير قابلة للتصرف أو الانتقاء.

 

وأكدت “صحفيات بلا قيود” أن آلية بناء القوائم المعتمدة في هذه التفاهمات، والتي تستند بصورة أساسية إلى ما قدمته الأطراف المتفاوضة من أسماء، أدت عملياً إلى حصر العملية في نطاق تبادلي، بدلاً من أن تكون مدخلاً لمعالجة شاملة لملف الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري، الأمر الذي ترتب عليه بقاء أعداد كبيرة من الضحايا خارج نطاق التفاهمات نتيجة عدم إدراج أسمائهم أو عدم تبني قضاياهم ضمن مسار التفاوض.

 

وأشارت المنظمة إلى أن هذا النمط من المعالجة يعيد إنتاج إشكالية أعمق، تتمثل في تحويل الحقوق الأساسية إلى ملف إداري يخضع لمنطق التفاوض والتمثيل السياسي، وهو ما يتعارض مع الطبيعة القانونية للحق في الحرية ومعرفة المصير بوصفهما حقوقاً أصيلة لا يجوز إخضاعها للانتقاء أو المساومة.

 

وشددت “صحفيات بلا قيود” على أن التفاهمات الحالية كشفت استمرار الخلط بين فئات قانونية مختلفة ضمن مسار تفاوضي واحد، إذ يجري التعامل مع أسرى نزاع مسلح يخضعون لأحكام القانون الدولي الإنساني إلى جانب مدنيين تعرضوا للاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري، بما في ذلك حالات اختطاف من المنازل وأماكن العمل والشوارع ونقاط التفتيش، شملت صحفيين وأكاديميين وناشطين وطلاباً ومدنيين آخرين، مقابل أسرى من جبهات القتال، وهو ما يستوجب اعتماد تمييز قانوني واضح يضمن عدم الخلط بين هذه الفئات، مع الحفاظ على الحماية الواجبة لجميع الضحايا دون استثناء.

 

وأضافت المنظمة أن اعتماد القوائم المقدمة من الأطراف كمدخل وحيد للتنفيذ أدى إلى استمرار استبعاد عدد كبير من المحتجزين والمخفيين قسراً من هذه التفاهمات، بما في ذلك حالات لنساء و مدنيين وحقوقيين وعاملين في المجال الإنساني وأكاديميين وتربويين وطلاب، الأمر الذي يكشف خللاً حقيقياً في شمولية المعالجة، ويؤكد أن الحق في الحرية ومعرفة المصير لا يجوز أن يظل مرهوناً بالإدراج ضمن قوائم تفاوضية أو بتبني أي طرف لقضية بعينها، لاسيما في ظل استمرار مليشيا الحوثي في ارتكاب جرائم الاختطاف والإخفاء القسري بحق المدنيين بشكل شبه يومي.

 

وأكدت المنظمة أن هذا الواقع يعكس قصوراً بنيوياً في المقاربة الحالية، ويؤكد أن معالجة هذا الملف ما تزال جزئية ولا ترقى إلى مستوى الالتزامات القانونية الدولية الواجبة النفاذ، بما يفرض توسيع نطاق المعالجة ليشمل جميع حالات الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري دون استثناء.

 

وفي هذا السياق، رحبت “صحفيات بلا قيود” بما ورد بشأن تشكيل آلية للتحقق من مصير السياسي اليمني المختطف محمد قحطان، بمشاركة أسرته وبوساطة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، معتبرة أن أي خطوة تفضي إلى كشف الحقيقة وإنهاء معاناة أسرته تمثل تطوراً مهماً في التعامل مع واحدة من أبرز قضايا الإخفاء القسري الممتد في اليمن.

 

غير أن المنظمة أكدت أن إشراك مليشيا الحوثي في آلية التحقق يثير إشكالية قانونية حقيقية، باعتبارها الجهة المتورطة باختطافه وإخفائه قسراً والتلاعب بمصيره طوال السنوات الماضية، وهو ما يستوجب أن تخضع للمساءلة والتحقيق، لا أن تتحول إلى طرف مشارك في إدارة ملف التحقق من الجريمة ذاتها.

 

وشددت “صحفيات بلا قيود” على أن أي آلية للتحقق من مصير قحطان يجب أن تستند إلى ضمانات حقيقية للاستقلال والحياد، بما يكفل الوصول الكامل وغير المقيد إلى الحقيقة، وعدم تحويل القضية إلى مسار تفاوضي مفتوح يستخدم لتأجيل الكشف عن مصيره أو إعادة تدوير الغموض المحيط بالقضية.

 

وأكدت المنظمة أن قضية محمد قحطان لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد بند تفاوضي، لأن الإخفاء القسري جريمة مستمرة لا تسقط بالتقادم، وتفرض التزاماً قانونياً مباشراً بالكشف الفوري عن مكان الاحتجاز والمصير، ومحاسبة جميع المتورطين في الجريمة أو في إخفاء المعلومات المتعلقة بها.

 

كما شددت المنظمة على أن الإخفاء القسري في اليمن لا يقتصر على الحالات المشمولة في هذه التفاهمات، بل يمثل نمطاً واسعاً من الانتهاكات الجسيمة التي طالت آلاف المدنيين لدى مختلف الأطراف، وفي مقدمتها حالات الاحتجاز والإخفاء التي تمارسها مليشيا الحوثي بحق نساء وناشطين وصحفيين وأكاديميين وعاملين في المجال الإنساني والمجتمع المدني ومدنيين آخرين.

 

ورأت المنظمة أن أي اتفاق لتبادل المحتجزين، رغم أهميته الإنسانية الكبيرة، يظل خطوة أولى ينبغي أن تستكمل بمسار أشمل يعالج جذور ملف الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري، ويضمن الكشف الكامل عن مصير جميع المخفيين قسراً، وتحديد أماكن احتجازهم، وضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، باعتبار أن الحق في الحرية والحقيقة من الحقوق غير القابلة للتصرف أو التفاوض.

 

ودعت المنظمة الأمم المتحدة، ومكتب المبعوث الخاص إلى اليمن، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلى ضمان التنفيذ الكامل وغير الانتقائي للتفاهمات، وتوسيع آليات التحقق لتشمل جميع حالات الاحتجاز والإخفاء القسري دون استثناء، وعدم حصر المعالجة في نطاق القوائم التفاوضية أو الصفقات المرحلية، بما يضمن الوصول إلى الحقيقة لجميع الضحايا.

 

وأكدت “صحفيات بلا قيود” في ختام بيانها، أن القيمة الحقيقية لهذه التفاهمات لا تقاس فقط بحجم الإفراجات، بل بقدرتها على ترسيخ مبدأ عدم الانتقائية، وتعزيز الحق في الحرية والحقيقة والمساءلة، ودفع مسار أوسع ينهي الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري باعتبارهما انتهاكين جسيمين لا يجوز استمرار التعامل معهما بوصفهما مجرد ملفات تفاوضية قابلة للتجزئة.