من هم القوميون الأوكرانيون الذين يصفهم بوتن بـ"النازيون الجدد" ويتعهد بالقضاء عليهم؟
- متابعات الاربعاء, 09 مارس, 2022 - 11:58 مساءً
من هم القوميون الأوكرانيون الذين يصفهم بوتن بـ

يشدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في خطاباته حول أوكرانيا، وحتى في تلك التي سبقت إعلان الحرب على كييف في 24 فبراير/شباط 2022، على أن بلاده تقاتل "النازيين الجدد" في أوكرانيا الذين يضطهدون الأقلية الروسية ويقتلون أفرادها، قائلاً في أحد خطاباته الأخيرة: "إن جنودنا وضباطنا يقاتلون الآن على الأراضي الأوكرانية من أجل روسيا ومن أجل حياة هادئة لمواطني دونباس، والقضاء على نفوذ النازيين، ونزع سلاح أوكرانيا؛ حتى لا نكون معرَّضين لتهديد من يمين مناهض لروسيا على حدودنا أنشأه الغرب منذ سنوات"، بحسب تعبيره.

 

ووجَّه الرئيس الروسي اتهامات متكررة للقوات الأوكرانية والميليشيات اليمينية التي تقاتل معها، زاعماً أنها تقوم بتعذيب وقتل أسرى حرب روس واحتجاز مواطنين أجانب رهائن واستخدامهم دروعاً بشرية خلال المواجهات العسكرية. فمن هم القوميون الأوكرانيون المتطرفون أو "النازيون الجدد" الذين يتحدث عنهم بوتين؟

 

"القطاع الأيمن".. أشهر كتائب اليمين المتطرف في أوكرانيا

 

منذ عام 2013 ظهرت مجموعات يمينية متطرفة في أوكرانيا مثل "القطاع الأيمن" و"كتيبة آزوف" وغيرهما من المجموعات، وهي حركات قومية خرجت إلى العلن خلال وبعد ثورة الميدان في كييف، حيث شارك في تلك الاحتجاجات مقاتلو اليمين المتطرف في الاشتباكات مع شرطة مكافحة الشغب، فيما انخرطت بعضها في العملية السياسية، وانضوت أخرى تحت مظلة القوات العسكرية الأوكرانية.

 

يقول تقرير لصحيفة The Times البريطانية، إن جماعة "القطاع الأيمن" أو "برافي سيكتور" بأوكرانيا نشأت في عام 2013 باعتبارها حركة عسكرية ضمت كلاً من المتطرفين القوميين وأنصار اليمين المتطرف، وسرعان ما أصبحت دعامة أساسية في القتال ضد الانفصاليين المدعومين من روسيا، حيث كان يبلغ عدد أعضائها في عام 2014 نحو 10 آلاف مقاتل.

 

وعلى الرغم من أنَّ جناحها السياسي فشل في الحصول على مقعد واحد بانتخابات 2019، فإنَّ وحدات المتطوعين في القطاع الأيمن بأوكرانيا يُنظَر إليها على نطاق واسع، على أنها "قوة مُخلصة من المتطوعين الوطنيين الملتزمين بالحفاظ على وحدة أراضي البلاد". لكن في موسكو، يُنظَر إليهم على أنهم "فاشيون عازمون على تطهير الأراضي الأوكرانية من العِرق الروسي".

 

وحصل القطاع الأيمن في أوكرانيا، بحسب "التايمز"، على دعم كبير من قِبل الحكومة الأوكرانية منذ عام 2014، تجسَّد في الاعتراف العلني بمقاتليه كأبطال قوميين، حيث يعمل مقاتلو القطاع الأيمن، المتمركزون على خط المواجهة بصفتهم قوة احتياطية، على تدريب جنود الاحتياط والمتطوعين في جميع أنحاء شرق أوكرانيا.

 

ويقول دميترو كوتسيوبايلو، صاحب الاسم الحركي "دافينشي"، الكابتن البالغ من العمر 26 والذي منحه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل نحو شهرين لقب "بطل أوكرانيا القومي"، إن قوات القطاع الأيمن "جزء لا يتجزأ من الدفاع عن أوكرانيا، وهي تنسق على أعلى مستوى مع الجيش الأوكراني".

 

ويضيف لصحيفة "التايمز" أن تشكيلات "كتيبة المتطوعين" من أفراد القطاع الأيمن، ساهمت بدور أساسي في المراحل الأولى من الصراع الأوكراني، عندما تدخلت لملء الثغرات التي تقاتل الانفصاليين المدعومين من روسيا بالشرق مع انهيار الجيش الأوكراني النظامي في عام 2014.

 

وكان كوتسيوبايلو طالب فنون من هاليتش، مدينة في غرب أوكرانيا، يبلغ من العمر 18 عاماً عندما انضم إلى احتجاجات الميدان الأوروبي المؤيدة للغرب بكييف في عام 2013. وفي غضون عام كان يقود متطوعي القطاع الأيمن في معركة ضد الانفصاليين بالشرق. وفي التاسعة عشرة من عمره أصبح أصغر قائد سرية هجومية في جيله.

 

وتوصف أيديولوجية القطاع الأيمن في أوكرانيا بأنها قومية، فاشية جديدة، ووفقاً للمؤرخ والعالم السياسي أندرياس أوملاند، فإن حزب القطاع الأيمن يحمل أفكاراً مُحافظة مُتطرّفة مسيحياً، وهو قومي راديكالي.

 

وقد وصفت وسائل الإعلام الروسية منذ عام 2014، أفرادها بـ"النازيين الجدد". وفي الانتخابات البرلمانية الأوكرانية عام 2014، فاز زعيم القطاع الأيمن دميترو ياروش بمقعد البرلمان، كما فازت المتحدثة باسم القطاع الأيمن، بوريسلاف بيريزا، كمرشح مستقل بمقعد آخر.

 

كتيبة "آزوف" الأوكرانية

 

نشأت كتيبة آزوف في مايو/أيار 2014، وكانت عبارة عن منظمة شبه عسكرية تضم مجموعة من الشباب المتطرفين، وفي ما بعد بدأت الوحدة اليمينية المتطرفة تكتسب نفوذاً واسعاً في البلاد.

 

ظهرت أولاً في مدينة ماريوبول على ساحل بحر آزوف. وتألفت عند نشأتها من مجموعة من مشجعي كرة القدم المتطرفين. وخاضت هذه المجموعة أول تجربة قتالية لها، عندما خرجت لمحاربة الانفصاليين الموالين لروسيا بعد سيطرتهم على مدينة ماريوبول في يونيو/حزيران 2014. وتمكنت بعد اندلاع مواجهات عنيفة من استرجاع المدينة.

 

وفي 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2014، قامت أوكرانيا بدمج كتيبة آزوف في القوات النظامية المسلحة، ومنذ ذلك الحين أصبح جميع الأعضاء جنوداً متعاقدين يخدمون في الحرس الوطني. حتى باتت تشكل جزءاً أساسياً من القوات العسكرية الأوكرانية، وتسعى لقيادة البلاد، وحصلت الكتيبة على إشادة كبيرة من الرئيس آنذاك بترو بوروشينكو، حيث قال في فعالية إن "هؤلاء هم أفضل محاربينا، وأفضل متطوعينا".

 

ووفق تقرير سابق لصحيفة "واشنطن إكزامينر" الأمريكية، فإن بوتين كان يشير إلى "مقاتلي آزوف"، عندما قال إن جزءاً من الهجوم الروسي الجاري حالياً، يرمي إلى "اجتثاث النازية" من أوكرانيا.

 

الكتيبة المتهمة بتبني أيديولوجية "النازيين الجدد" وخطاب كراهية وتدعو إلى تفوُّق العنصر الأبيض، تصف نفسها بأنها منظمة قومية متطرفة. ويصب تركيزها بشكل أساسي على الصراع الدائر والمستمر بين روسيا وأوكرانيا، وتسعى "لتحقيق استقلال الأمة وكرامتها". وعقب الغزو الروسي لأوكرانيا، انضم مئات الأشخاص الذين قدموا من مختلف الدول الأوروبية، إلى كتيبة آزوف لقتال الجنود الروسيين.

 

وبعد أيام من بدء الحرب، تسبب مقطع فيديو نُشر على حساب كتيبة آزوف الرسمي بموقع تويتر، ويظهر فيه أحد المقاتلين وهو يغمس الرصاص في دهن الخنازير، في رسالة تستهدف المقاتلين الشيشانيين المسلمين الذين يحاربون على الحدود الروسية، بموجة غضب واسعة في مختلف أنحاء العالم.

 

ويظهر في المشهد المصور، أحد مقاتلي الكتيبة الأوكرانية وهو يغمس الرصاص في دهن الخنزير ويتوجه للمقاتلين المسلمين الشيشان قائلاً: "إخواني المسلمين الأعزاء، في بلادنا لن تذهبوا إلى الجنة، لن يُسمح لكم بالدخول إلى الجنة، اذهبوا إلى منازلكم من فضلكم، هنا سوف تواجهون المشاكل، شكراً لاهتمامكم، وداعاً".

 

متهمون بارتكاب جرائم قتل وتعذيب

 

تتباهى كتيبة آزوف الأوكرانية برمز مشابه لرمز النازية السابق "ولفسانجيل"، وقد اتهمتها مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR) في عام 2016 بارتكاب جرائم والسماح بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، من بينها التعذيب.

 

وتحدث التقرير بالتفصيل عن حوادث وقعت في الفترة الممتدة من تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 إلى شباط/ فبراير 2016، حيث زرع مسلحو آزوف أسلحتهم وقواتهم في مبان مدنية، وشردوا سكانها وقاموا بنهب ممتلكات المدنيين، كما اتهم التقرير الكتيبة باغتصاب وتعذيب معتقلين في منطقة دونباس.

 

وفي يناير/كانون الثاني 2018، قدَّمت كتيبة آزوف قوة شبه عسكرية جديدة أطلِقَ عليها اسم "الميليشيا الوطنية"، في مسيرة سار فيها نحو 600 من الشباب يرتدون ملابس متناسقة، من ساحة الاستقلال في وسط كييف إلى قلعة مُضاءة على منحدر تل بالعاصمة الأوكرانية، حيث أقسموا على تنظيف الشوارع من الكحول غير القانوني وتجار المخدرات وغير القانونيين ومؤسسات القمار. وفي كثير من الحالات قامت تلك الميليشيا بمهاجمة تجمعات الغجر، ولم تتم مقاضاة أي من أعضاء المجموعة بسببها، وفقاً لما ذكره راديو أوروبا الحرة Radio Free Europe/Radio Liberty.

 

بعد اتفاق عام 2015 المعروف باسم اتفاقيات مينسك التي كان من المفترض أن تكون خارطة طريق لإنهاء القتال بين روسيا وأوكرانيا ولكنها لم تفعل أكثر من خفض حدة القتال، تم دمج كتيبة آزوف رسمياً في الحرس الوطني الأوكراني وحوَّلت قيادتها تركيزها من ساحة المعركة إلى الساحة السياسية.

 

 

دخل فيلق آزوف الوطني المعركة السياسية في أكتوبر/تشرين الأول 2016، وعُيِّن قائد الكتيبة أندريه بيلتسكي لقيادتها، لكنه فشل في انتخابات عام 2019.

 

ضم الحزب منظمتين يمينيتين متطرفتين أخريين، وضمن ذلك منظمة باتريوت الأوكرانية، التي وفقاً لمجموعة خاركيف لحقوق الإنسان، "تبنَّت أفكاراً تنمُّ عن كراهية الأجانب والنازيين الجدد، وتشارك في هجمات عنيفة ضد المهاجرين والطلاب الأجانب في خاركيف وأولئك الذين يعارضون آراءها". وتُعرف هذه المجموعات مجتمعة باسم "حركة آزوف" التي تضم أكثر من 10.000 عضو نشط، بحسب أولينا سيمينياكا السكرتيرة الدولية للجناح السياسي في "آزوف".

 

أوكرانيا تستقطب مقاتلين من اليمين المتطرف الأوروبي

في الثالث من مارس/آذار أعلن الرئيس الأوكراني أن 16 ألف مقاتل أجنبي "متطوع" سيأتون لمساعدة أوكرانيا ضد التدخل العسكري الروسي. حيث وقع زيلينسكي في الوقت نفسه مرسوماً رئاسياً يسمح للمتطوعين الأجانب الراغبين في دعم أوكرانيا أمام التدخل العسكري الروسي بدخول البلاد دون تأشيرة.

 

وجاء في المرسوم الرئاسي: "اعتباراً من 1 آذار/ مارس 2022، تم إدخال نظام دخول بدون تأشيرة للأجانب الذين يرغبون في الانضمام إلى الفيلق الدولي لأوكرانيا مؤقتاً خلال فترة سريان الأحكام العرفية"، وذكر المرسوم أن القرار الرئاسي "لا ينطبق على المواطنين الروس".

 

في الوقت ذاته، كشف تقرير بحثي أصدرته مجموعة "سايت إنتلجنس" SITE Intelligence Group، وهي منظمة أمريكية خاصة متخصصة في تعقب الجماعات المتطرفة، ونشرته صحيفة The New York Times الأمريكية، أن الهجوم الروسي على أوكرانيا استنفر قادة ميليشيات أوروبية من اليمين المتطرف، حيث شهد الإنترنت مع بداية الحرب موجة كبيرة لجمع الأموال وتجنيد المقاتلين العازمين على السفر إلى جبهات القتال في أوكرانيا، وذلك لمواجهة "الغزاة الروس".

 

المنظمة البحثية استدلت في تقريرها بمنشورات جمعتها من أوساط هذه الميليشيات وترجمتها، حيث رصدت في الأيام الأخيرة إعلانات نشرها قادة ميليشيات يمينية في فرنسا وفنلندا وأوكرانيا، يحثون فيها أنصارهم على الانضمام إليهم للقتال دفاعاً عن أوكرانيا، في مواجهة الهجوم الروسي.

 

ذكرت المنظمة أيضاً أن بعض دعوات الحشد اليمينية تركَّز نشاطها على دعم "كتيبة آزوف"، التابعة للحرس الوطني الأوكراني، اجتذبت مقاتلين من اليمين المتطرف من جميع أنحاء العالم.

 

وفي إعلان نُشر على تطبيق المراسلة تليغرام، دعا زعيم الجناح السياسي لكتيبة آزوف إلى "تعبئة كاملة" للمجموعة، ووجَّه المتطوعين إلى مسارات الالتحاق بالمجموعة عبر الإنترنت.

 

ومنذ بداية الحرب، نشرت مجموعة "كارباثيان سيش" Carpathian Sich الأوكرانية معلومات تلقي التبرعات على قناتها على تطبيق تليغرام، سعياً للحصول على أموال من متابعيها عبر تطبيق PayPal، أو بالعملات المشفرة مثل بيتكوين وإيثريوم.

 

انتشرت الإعلانات ذاتها على مواقع إلكترونية عديدة من مواقع اليمين المتطرف في فنلندا وفرنسا، مثل موقع OC، الذي نشر بياناً مؤيداً لأوكرانيا على قناته على تليغرام، وورد في منشور لاحق: "مثلما هُزم الاتحاد السوفييتي سيُهزم بوتين باصطفاف القوميين الفرنسيين مع الشعب الأوكراني".

 

وفي تقرير نشرته صحيفة The Guardian البريطانية في فبراير/شباط 2020، قالت الصحيفة إن كتيبة آزوف الأوكرانية عملت على تجنيد عدد من نشطاء اليمين المتطرف في بريطانيا للقتال في أوكرانيا ضد روسيا، وعملت على تمويل نفسها عبر مجموعات على منصة فيسبوك.

 

وبحسب الصحيفة، فإن كتيبة آزوف عملت طوال السنوات الماضية على تصدير ايديولوجيتها المتطرفة إلى الغرب، مع وجود تقارير عن وجود روابط بين الأخيرة والجماعات "ذات التفكير المماثل" في أوروبا مثل "منظمة العمل الوطنية" الإرهابية المحظورة في المملكة المتحدة. حيث استخدمت كتيبة آزوف مقاطع فيديو دعائية على طريقة الجماعات المتطرفة الإسلامية مثل "داعش" لاستقطاب أنصار اليمين المتطرف وتفوق العرق الأبيض في أوروبا إليها.


التعليقات