قال إن الجيل الراهن لا يستطيع خلق جو نقدي عام ونفى وجود صفة أمير للشعر
د. قائد غيلان في حوار مع "الموقع بوست": أنا ناقد أكاديمي ولستُ كاتباً يبحث عن الشهرة وتعرضتُ لمضايقات غريبة
- حوار - محمد الصُّهباني الأحد, 25 يونيو, 2023 - 04:41 مساءً
د. قائد غيلان في حوار مع

[ د. قائد غيلان ]

يعد الدكتور والناقد الأكاديمي قايد غيلان واحداً من القامات الأكاديمية التي قد يجهلها الكثيرون، نظراً لظروف كثيرة، تعود أبرزها لعدم اهتمام الجهات الرسمية بالقامات اليمنية التي قدمت لليمن الكثير والكثير من الأعمال والانجازات في مختلف تخصصاتها، ما حدا بالعشرات منها، إن لم نقل المئات، إلى ترك البلاد قهراً، واللوذ بحياتها إلى الخارج بحثاً عن مستقبل يضمن لها ولأسرتها حياة سعيدة.

 

إلا أن الدكتور "غيلان" الناقد الأدبي والأكاديمي المثير للجدل، إن جاز التعبير، فضَّل البقاء في الوطن، رغم كل ما آلت إليه الأوضاع، منذ أكثر من عقدين، على الأقل.

 

في هذا الحوار أجاب غيلان على كافة الأسئلة التي وجهت له، برحابة صدر، وسمو الإنسان الوطني، ووظيفته، وانجازاته الكثيرة وأبحاثه العلمية، ومؤلفاته، وأعماله النقدية.

 

نص الحوار:

 

*باستطاعتك تقديم نفسك أكثر للقارئ بشكل أوسع لتتضح الصورة التي قد يجهلها عنك الكثيرون.

 

**قائد غيلان العلوي، ناقد وقاص وأكاديمي يمني.

 

*من خلال مراجعة سيرتك الذاتية، اندهشنا كثيراً من انجازاتك في المجال النقدي والأكاديمي.. فهل ترى أنك ناقد مثير للجدل كما يقال عنك ذلك؟

 

**في اليمن فقدنا الصحافة والمواقع المستقلة، لم يعد أمامنا إلا "الفيسبوك" نكتب فيه كل شي، فبدلاً من كتابة آرائنا في الصحف، نكتبها مقطعة كمنشورات فيسبوكية، و"الفيسبوك" جمهوره عام ومختلط، فعندما تكتب رأياً نقدياً تواجهك عامة الناس، وليس المتخصص فقط، ولأنه جمهور عادي، يستغرب رأيك، ويعتبره هجوماً على صاحب النص، وفي ذات الوقت يستغل صاحب النص ذلك، فيهيج الجمهور ضدك باعتبارك ناقد هجومي ومغرض، فتتعرض لمحاكمة غير منصفة، أنت من جهة، والمبدع من جهة، والحَكم جمهور غير متخصص من جهة أخرى، وقليل من المتخصصين ينصفوننا بآرائهم، والأغلب يبقى متفرجاً، لا يريد أن يخسر صديقه المبدع.

 

*وصلت إلى مرحلة واجهت فيها هجوماً غير مبرر بسبب انتقادك شخصيات فنية، وأخرى أدبية، فكيف تفسر ما حدث لك آواخر مايو الماضي مع جمهور الفنان الكبير أيوب طارش عبسي؟

 

يخشى كثير من الكتاب أن يتناولوا أي شخصية من محافظة معينة، بحجة أن أعلب مستخدمي النت من تلك المحافظة، وهُم أصبح لديهم وعي بأهمية نشاطهم الهجومي البذيء ضد من يتناول أي شخصية من منطقتهم، فهم يعتقدون أن البذاءة سلاح فتاك، ويفاخرون بذلك، ويجب أن أشير إلى أن أغلب من دافع عني هم من أبناء تلك المنطقة، كثير من المثقفين من تلك المحافظة، يرفضون أن تلصق بهم تلك الصفة، وهم فئة مثقفة ومستنيرة، وقد عبّروا عن رفضهم لذلك الأسلوب في كتاباتهم.

 

*وهل حقًا تلقيتَ تهديدات بالتصفية الجسدية من قبل بعض جمهور أيوب "المتعصبين"؟

 

**نعم، كثيراً، وتعرضت لمضايقات بأشكال غريبة ومتعددة.

 

 

*يقال إنك ناقد يركض خلف الشهرة على هدى قاعدة "خالف تُعرف" ولا تلتزم تقبل "نقد النقد" لما تثيره نقداً في تناولك لأعمال شعرية وروائية؟

 

*تعود الكاتب أن يلقى التصفيق الحار لما يكتب، فعندما تكتب رأياً مخالفاً يعتبرون ذلك خروجاً عن القاعدة، وبحثاً عن الشهرة، أما نقد النقد فهو منهج له أصول وضوابط، فليس كل التعليقات التي تتناول نقدك تدخل ضمن نقد النقد.

 

*هل النقد الأدبي في بلادنا وجد طريقه لمواكبة المشهد الأدبي بشكل عام؟ ومن هو الناقد الذي لفت انتباهك على نحو مثير للاحترام، يمنياً وعربياً؟ وما المدرسة النقدية التي تأثرت بها؟

 

**النقد الأدبي في اليمن متأخر عن الإبداع، والناقد الأدبي الذي يحظى بالاحترام هو ذاك الذي ينطلق من النص، ويستخدم منهجا وهم قلة في اليمن، وقد تأثرت كثيراً بأساتذتي في جامعة سيدي محمد بن عبدالله، فاس المغرب.

 

*على من تعوّل من النقاد اليمنيين النهوض بالمشهد الأدبي والثقافي؟ وما هي رسالتك لدخلاء النقد؟

 

**نعول على الجيل القادم، أما هذا الجيل فهم قلة من حيث العدد، ولا يستطيعون خلق جو نقدي عام، تبقى محاولاتهم فردية ومحدودة، وفي ظل هذه الظروف ركدت الحياة الثقافية بشكل عام ومن ضمنها النشاط النقدي، فليس هنالك مناسبات تحتفي بالنقد والأدب إلا القليل.

 

*لكنك أشدت في مقابلات سابقة بأكثر من ناقد، خلافاً لما ذهبت إليه في إجابتك هذه؟

 

*تلك استثناءات، وهي جهود جيدة، لكنها لا تلغي مسألة الفقر النقدي في اليمن.

 

*يقال إن هناك فرقاً بين النقد الثقافي والنقد الأدبي، ما رأيك بهذا الطرح؟ وكيف تقيم المشهد الثقافي اليمني خلال المرحلة هذه، أم أن الحرب أثرت في تراجعه؟

 

*النقد الثقافي حلقة من حلقات النقد الأدبي، تزعمه في العالم العربي الناقد الكبير الدكتور عبدالله الغذامي، وهو سلاح ذو حدين، إذا لم يطبق تطبيقاً سليماً يتحول إلى نقد أيديولوجي، وتلك مرحلة خطيرة في النقد.

 

*من خلال تجربتك النقدية والأكاديمية الكبيرة، من هو الناقد الذي تعتقد أنه استطاع أن يخدم الحركة النقدية، والثقافية، في بلادنا بما يلبي أهداف وأسس النقد المنهجي البناء؟

 

**مازال عبدالعزيز المقالح قلعة حصينة لم يستطع أحد بلوغها، لا أظن أن تشهد اليمن كاتباً مثله على الأقل خلال هذه المرحلة أو العقدين القادمين.

 

*أظنك تتفهم رحيل الدكتور المقالح رحمة الله عليه؟

 

*رحيله ترك فراغاً كبيراً لا يمكن ان يُملأ على المدى القريب.

 

 *بتقديرك من هو الشاعر الذي يمكن أن نطلق عليه" أمير القصيدة المدورة في اليمن"؟

 

*لا يوجد أمير للشعر ولا أمير للقصيدة، سواء أكانت مدورة أو غير مدورة، الشعر والأدب نشاط حر لا يقبل الإمارة من أحد.

 

*بما معناه أنك تنفي صفة "أمير الشعراء" للشاعر الراحل أحمد شوقي؟

 

*نعم، تأمير أحمد شوقي مسألة سياسية لا أدبية، هو أمير الشعراء لأنه كان شاعر الأمراء كما قال أستاذنا الراحل الدكتور عبدالعزيز المقالح.

 

*وماذا عن أعمال شعراء قصيدة النثر؟

 ‏

*مشكلة قصيدة النثر ففي الأصل مشكلة في التلقّي، لم يستطع المتلقي هضمها ولا التجاوب معها، إنها قصيدة نوعية تكتب للصفوة أو للشعراء أنفسهم، ولم تستطع حتى الآن أن تصنع جمهورها الخاص.

 

*ألم تتناول نقداً قصائد النثرية؟

 

**قصيدة النثر لها حضورها وثبتت وجودها ومكانتها، لكن ذلك لا يلغي أنها قصيدة نوعية تكتب لفئة معينة وليست قصيدة جماهيرية، بمعنى أن أزمتها هي أزمة تلقي لا أزمة إنتاجية.

 

*هل تعتقد أن وسائل السوشيال الميديا أنصفت الأديب اليمني بما يلبي آماله وتطلعاته في تخطي عقبات النشر، أم أنها ساعدت في فوضى النشر الإلكتروني؟ وما تعليقك على دور النشر في اليمن؟

 

**وسائل التواصل الاجتماعي وبالذات "الفيسبوك" خدم الكتاب جميعهم في اليمن، كنتَ تكتب المقالة وتحتاج تسافر إلى مقر صحيفة الثورة، ثم تنتظر عدة أيام لترى مقالتك منشورة، الآن تكتب وتنشر وترى تفاعلات الناس مع ما كتبت في ذات اللحظة. الكل ينشر والكل يتفاعل، وفي الاخير هناك من يميز بين النشر الرديء والنشر الجيد. وفي الحقيقة "الفيسبوك" فضاء نكتب فيه كل شيء، ليس فقط المقالات الرصينة، نكتب النكتة والمزحة والكلام البسيط العادي، والقارئ النوعي يميز بين ما تكتبه من باب المزح وما تكتبه من باب الجد. أما فيما يتعلق بدور النشر، فليس هنالك دور نشر حقيقية في اليمن، هنالك مطابع، تطبع لك بفلوسك. 

 

*وكيف يمكننا أن نخلق دور نشر محترمة برأيكُ أسوة بدور النشر العربي؟

 

**عندما تكون لنا دولة ومؤسسات محترمة ومستقلة.

 

*ماذا عن الأدب النسوي من وجهة نظر نقدية؟ هل تعتقد أنه تجاوز مناهضة كافة أشكال التطرف، وهل تتفق مع مصطلح "الأدب النسوي"؟

 

*هنالك أدب تكتبه النساء، ومشاكله مشابهة لما يكتبه الرجال، الرواية هي الجنس الأدبي الأقدر على التعبير عن القضايا، فالقضايا همّ مشترك يعبّر عنه الرجال والنساء، وأعتقد أن إعطاء رأي عن الأدب النسوي أو الرواية النسوية يحتاج دراسة معمقة، لا يمكنني أن أجازف وأعطي وجهة نظر حولها حالياً.

 

*في مسألة التكفير التي طالت النشطاء السياسيين والأدباء والكتاب اليمنيين وحتى الناشطين الحقوقيين في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وحتى اليوم، من قبل متشددين إسلاميين، أشهرها محاكمة الدكتور حمود العودي، غيابياً؟

 

**الأدب فن له أساليبه الخاصة في التعبير، تختلف عن اللغة العادية، وعليه يجب أن يدرس ويحاكم، انطلاقاً من خصائصه النوعية، وعندما تأخذ نصاً أدبياً وتحاكمه انطلاقاً من الفقه تكون تلك كارثة حقيقية، وهي حالة لا تظهر إلا في ظل الأنظمة القمعية، فالسلطات عندما تعجز عن التعامل مع كتاب معينين تترك مساحة للخطباء والدعاة والفقهاء ليقولوا رأيهم فيهم، ويهيجوا الناس ضدهم، فتتخلص منهم دون أن تكون هي المسؤولة أمام الناس مسؤولية مباشرة.

 

*اخترقت ظاهرة "الشللية الثقافية" والعلاقات الشخصية المشهد الأدبي والثقافي اليمني، وظهرت أسماء تدعي الإبداع والكتابة والنشر، دون أدنى اعتبار للمتلقي؟ فهل هذه الشللية الثقافية هي إحدى ظواهر الفساد الثقافي؟ وكيف يمكن التصدي لها ومعالجة آثارها؟

 

**الشللية الثقافية ظاهرة موجودة في أغلب الدول العربية، الكاتب غير المبدع يحتمي بشلة تدافع عنه وتروج لكتاباته، المبدع الحقيقي يتم تجاهله، لكنه في الأخير يظهر ويأخذ حقه من الانتشار مهما حاول الكثير تجاهله.

 

*أيهما ترى حرّك المشهد الثقافي اليمني والعربي عموماً، الرواية، أم الشعر، وكيف ترد على مقولات إن الأديب اليمني ظُلم إعلامياً؟

 

**الثابت في اللاوعي العربي أن الأدب هو الشعر، أما الأجناس الأخرى فهي أشكال أدبية دخيلة، تكميلية أو ثانوية، فالشعر ديوان العرب الذي لم يكن لهم علمّ سواه حسب الأصمعي، لكن القصيدة الحداثية طردت المتلقي من ديوان العرب بتعاليها عليه وانفصالها عنه، فاضطر إلى الهجرة إلى الأشكال الأدبية الأخرى كالرواية والقصة. لقد كان المتلقي يدخل إلى ديوان العرب فيجد مجموعة من الأحاجي والألغاز والرموز والطلاسم والأشكال الهندسية وآلهة اليونان وأبطال ملاحمهم ومعارك الخوارج وعلي ابن الفضل والمغمور المستتر من تاريخ الاقليات في التاريخ العربي، فلكي تفهم قصيدة عليك أن تقرأ خمس سنين في تلك الأسفار والمجلدات، إن قصيدة الحداثة تحتاج إلى مشعوذ يفك طلاسمها لا إلى متلقٍ عاشق للشعر، لهذا هجر المتلقي ديوان العرب منصرفاً إلى الأشكال السردية التي تقدم له على الأقل شيئاً يعرفه ويفهمه ويستمتع بقراءته.

 

*أيهما تجاوز الآخر إنجازاً: الشاعر، أم الروائي، وهل ترى أنهما يخوضان صراعاً؟ وهل هذا الصراع ظاهرة ثقافية، أم أنه ينطوي تحت ما يمكن أن نسميه "الغرور الأدبي"؟

 

**الشاعر والروائي كل له مجاله وجمهوره الخاص، لا يتحرك أي منهما ضد الآخر أو منافساً له، ما يجمعهما هو الإبداع، المبدع يتميز ويظهر سواء أكان شاعراً أو روائياً.

 

*ما تعليقك على ما يدور من صراع ثنائي بين شعراء القصيدة الحداثية، وشعراء التفعيلة؟ وأيهما وجدت أكثر إخلاصًا للأدب؟ وهل نستطيع القول إن هناك صراع أجيال بين الشعراء اليمنيين؟

 

**كان هنالك جدل منذ سبعينات القرن الماضي، لكنه حُسِم، لم تأتِ قصيدة النثر لتلغي القصيدة العمودية والعكس، هما شكلان شعريان يسيران جنباً إلى جنب، ويبقى الإبداع هو الشرط الأقوى لكل منهما، القصيدة الرائعة هي قصيدة رائعة لأنها وافقت شروط الإبداع، وليس لأنها قصيدة نثر أو قصيدة ملتزمة بشروط القصيدة التقليدية.

 

*هل أنت راضٍ عما قدمته في المجال الأكاديمي، والنقدي، وماذا تأمل أن تحققه مستقبلاً في هذا المجال؟

 

**بالتأكيد لست راضياً ما قدمته حتى الآن، أتمنى أن تتاح لي الفرصة للتفرغ للكتابة والبحث.

 

*لو لم يكن الدكتور غيلان ناقداً أكاديمياً، ماذا كان يتمنى أن يكون؟

 

**لو لم اختر طريق الدراسة وذهبت إلى الاغتراب والتجارة لكان وضعي الآن أفضل، ولكانت حياتي أجمل.

 

*لكن، هل أنت كما قيل من أسرة ثرية، تخليت عن المال وذهبت لدراسة الأدب؟

 

**لا، لست ثرياً، لكن كان بإمكاني أن أكون كذلك لو لم أختر طريق العلم.

 

 *ما هو السؤال الذي كنت تتمنى أن يوجه لك؟

 

**ما طرحته من أسئلة كانت كافية، وغطت ما كنت أريد ما كنت أريد التحدث عنه، أشكرك على جهدك في الإعداد الجيد لهذا الحوار.


التعليقات