[ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو - وكالات ]
لعل إسرائيل في الحقيقة كانت اللاعب الغائب الحاضر في كل ما جرى ويجري حاليا في جنوب اليمن عقب سيطرة قوات "درع الوطن" التابعة للحكومة الشرعية على محافظات جنوب اليمن، وسقوط مشروع المجلس الانتقالي ورئيسه عيدروس الزبيدي لانفصال جنوب اليمن.
فعندما أعلن رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي بدء ترتيبات عملية الانفصال الفعلي لجنوب اليمن في دولة مستقلة في الثاني من يناير/كانون الثاني الجاري، كان الحديث في الإعلام الإسرائيلي عنه قد سبقه بخمسة أيام على الأقل، وتحديدا بعد يومين فقط من إعلان إسرائيل اعترافها بـ"إقليم أرض الصومال الانفصالي" دولة مستقلة وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة معها في 26 ديسمبر/كانون الأول الماضي.
ففي 28 ديسمبر/كانون الأول الماضي، نشرت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية تقريرا تحدثت فيه عن تفكير إسرائيلي جدي بالاعتراف بأي دولة تعلن في جنوب اليمن، وتكشف أن الإشارات بين الطرفين باتت واضحة في هذا الأمر، بل إن قناة "كان 11" الإسرائيلية الحكومية أشارت إلى محادثات مغلقة تتعلق بالاعتراف الإسرائيلي بدولة في جنوب اليمن، وأن إسرائيل كانت تنتظر اللحظة التي يعلن فيها المجلس الانتقالي في جنوب اليمن دولته المستقلة لتعترف بها.
عيدروس الزبيدي طالما حاول مغازلة إسرائيل من جانب واحد في هذا الصدد. ففي مايو/أيار من العام الماضي كان الزبيدي قد صرح في مقابلة مع صحيفة "ذا ناشيونال" أن إعلان دولة جنوبية مستقلة سيتيح إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل، وأن الانضمام إلى اتفاقيات "أبراهام" "سيصبح حجر الزاوية في الاستقرار الإقليمي بعد حرب غزة.
وبذلك كان إعلان الزبيدي متوقعا قبل أن تبدأ الصدامات بين قوات المجلس الانتقالي وقوات الحكومة اليمنية المدعومة من تحالف دعم الشرعية الذي تقوده السعودية.
ولعل السبب في ذلك الدعم، كان إعطاء دفعة معنوية قوية للمجلس الانتقالي للمضي في الانفصال. ولهذا رأينا تغطية إعلامية وتحليلية إسرائيلية يمكن وصفها بالحماسية لإعلان الزبيدي في الثاني من الشهر الجاري عن تنظيم استفتاء استقلال الجنوب.
لا يمكن قراءة الموقف الإسرائيلي من اليمن بمعزل عن اعتراف إسرائيل بـ"إقليم أرض الصومال"، كون الأمر جاء بعد أيام فقط من الحدث. فصحيفة "معاريف" ادعت أن إسرائيل كانت تريد بمثل هذا الاعتراف أن تحاصر الحوثيين في اليمن من الشرق بعد أن حاصرتهم في الغرب باعترافها بـ"إقليم أرض الصومال". وأشارت إلى أن الهدف الأساسي من جميع هذه التحركات الإسرائيلية في منطقة مضيق باب المندب، هو مواجهة الحوثيين فقط.
لكن نظرة فاحصة لخريطة المنطقة توضح أن الأمر كان في الحقيقة أبعد من ذلك؛ فإسرائيل ربما أرادت بالفعل محاصرة الحوثيين من الشرق والغرب والجنوب عبر السيطرة على منطقة خليج عدن من خلال وجودها في جنوب اليمن وشمال الصومال، بما يضمن محاصرة الحوثيين بحريا بعد محاصرتهم بريا، باعتبار كونهم أصلا في حالة حرب مع السعودية على الحدود الشمالية لليمن.
بيد أنه لا يمكن التسليم بأن هذا كان الهدف الإسرائيلي الوحيد من علاقتها بالزبيدي، حيث إن إسرائيل سعت للسيطرة على مضيق باب المندب لتضمن حرية الملاحة في البحر الأحمر، وعدم تأثر ميناء إيلات كما حدث خلال الحرب على قطاع غزة خلال العامين الماضيين، إضافة إلى ذلك، كانت إسرائيل تسعى بذلك إلى تقليص النفوذ التركي في المنطقة، والذي بات يقلق إسرائيل بعد أن أصبحت تركيا تحاصرها شمالا وجنوبا، خاصة أن تركيا فتحت علاقات واسعة مع السودان ومع الصومال؛ لتضمن وجودها في منطقة بحر العرب، ومضيق باب المندب.
كما أنه يمكن القول إن إسرائيل ربما كانت تسعى كذلك إلى محاصرة قوة أخرى في المنطقة، وهي السعودية. حيث لا يخفى السعي الإسرائيلي الحثيث لإقامة علاقات طبيعية كاملة مع السعودية منذ توقيع اتفاقيات "أبراهام"، وخيبة الأمل الإسرائيلية من الاشتراطات السعودية المتكررة قبل الدخول في هذه الاتفاقيات وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، والإصرار على تعليق ذلك على حل القضية الفلسطينية، وإقامة دولة فلسطينية، الأمر الذي بات في العُرف الإسرائيلي الحالي أمرا مقطوعا باستحالته.
وبالتالي فإن إسرائيل ربما كانت تسعى لتطبيق رؤية ترامب: "السلام بالقوة" عبر محاصرة مناطق النفوذ السعودي في المنطقة، وإيجاد كيان حليف لإسرائيل جنوب السعودية، للضغط عليها للدخول في اتفاقيات التطبيع.
بذلك كانت إسرائيل تريد أن تضرب عدة عصافير بحجر واحد؛ فتضمن تفوقها الإقليمي، وتوسع نفوذها حتى المحيط الهندي، وتضمن سلاسة تحركها في المنطقة الواقعة بين شرق البحر الأبيض المتوسط وبحر العرب حتى المحيط الهندي. وتُخضع القوى العربية الإقليمية الرئيسية. وهذا ما يبين فداحة الخسارة الإسرائيلية الكبيرة بسقوط عيدروس الزبيدي ومشروعه لتقسيم اليمن.
لعل السعودية قرأت المشهد بالكامل، وبناء على ذلك جاء تصعيدها في المنطقة سياسيا وعسكريا عبر تصريحات واضحة وصريحة حول الأمن القومي السعودي وخطوطه الحمراء، ودعم الحكومة الشرعية اليمنية وقوتها "درع الوطن" في مواجهة قوات المجلس الانتقالي جنوبي اليمن. والسعودية بذلك أثبتت أنها فهمت خطورة اللعبة الجارية سواء من إسرائيل أو حلفاء إسرائيل في المنطقة والإقليم، وتحركت بالشكل الصحيح.
ومما يؤكد اهتمام إسرائيل الكبير بتقسيم اليمن أن تغطية الإعلام العبري للضربة العسكرية السعودية على ميناء المكلا وما جرى بعدها من تحركات عسكرية على الأرض لقوات "درع الوطن" المدعومة من تحالف الشرعية، ركزت على ضرورة الاستفادة القصوى من خطوة المجلس الانتقالي بإعلان الاستفتاء على انفصال الجنوب فقط، وما كان يمكن لإسرائيل أن تكسبه فيما لو نجحت هذه الخطوة، وبالمقابل كان إحباط الإسرائيليين واضحا من سقوط قوات الزبيدي على الأرض بعد دخول قوات "درع الوطن" محافظتي المهرة وحضرموت والسيطرة عليهما بالكامل.
إسرائيل رأت في حرب جنوب اليمن حربها، فمهما كان الأمر، فقد كشفت حرب الإبادة على قطاع غزة هشاشة الوضع الإسرائيلي البحري، ولا سيما في البحر الأحمر، ولذلك فإن حماسة إسرائيل للسيطرة على مضيق باب المندب، وخليج عدن، وبحر العرب من بوابة شمال الصومال وجنوب اليمن، مسألة غير مفاجئة، والمفاجأة ستكون في حال لم تنتبه القوى الإقليمية المستهدفة إلى خطورة محاصرة إسرائيل لها في هذه البقعة المركزية من العالم.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا كان الزبيدي ومجلسه يعولان على الدعم الإسرائيلي؟ وماذا كانا يتوقعان أن يستفيدا من الاعتراف الإسرائيلي بانفصال جنوب اليمن؟
من استقراء ردود الأفعال العربية والدولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"إقليم أرض الصومال"، يتبين لنا أن التعويل على إسرائيل في هذه المرحلة لم يكن ليفيد الزبيدي، كما أنه لم ينفع عبدالرحمن عرو رئيس كيان "أرض الصومال" الذي احتفى باعتراف إسرائيل بكيانه ووضع كافة أوراقه في السلة الإسرائيلية.
فعكس كل ما أمله عبدالرحمن عرو، بقيت إسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي اعترفت بهذا الكيان، ولم تشفع حماسة عبد الرحمن عرو لهذا الاعتراف في جر أي دولة في العالم للاعتراف به كما كان يأمل. فحتى الولايات المتحدة الأميركية، الحليف الأقوى لإسرائيل، لم تعترف بهذا الكيان ولم تقدم له شيئا. بل كان الرد العربي والإسلامي ضربة سياسية موجعة لهذا الكيان بتثبيت رفض الاعتراف به، من خلال الإعلان الموحد لعدد كبير من الدول العربية والإسلامية والأفريقية.
وقد خسر هذا الكيان بالتالي الكثير سياسيا؛ فبعد أن كان التعامل معه من عدد لا بأس به من دول العالم يتم على قاعدة الأمر الواقع، أدى الاعتراف الإسرائيلي به إلى تنبيه المجتمع الدولي إلى عدم شرعية هذا الكيان وخطورته على وحدة الصومال.
وبذلك فإن الاعتراف الإسرائيلي في الحقيقة كان له أثر سلبي على إقليم أرض الصومال الانفصالي، كما سيكون كذلك لكيان جنوب اليمن لو كان قد تم إعلانه كما كان الزبيدي يأمل، وهذا يؤكد أن تعويل الزبيدي على إسرائيل كشف عن عدم فهم لطبيعة التحولات الإقليمية والعالمية في العامين الأخيرين.
فمن المستغرب أن يعول عاقل على دولة معزولة دوليا برئيس وزراء مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، لا يستطيع أن يسافر إلى الولايات المتحدة دون أن يطالب بضمانات مكتوبة من بعض الدول- كما حدث مع فرنسا- بعدم اعتقاله أثناء وجوده في أجواء تلك الدول. فماذا يمكن بعد كل ذلك لإسرائيل أن تقدم لأحد؟ الجواب: لا شيء.
إذن، فالخسارة المدوية التي مني بها الزبيدي لم تكن ضربة له وحده أو لحلفائه في الإقليم فقط، وإنما كان أحد أكبر الخاسرين من سقوط الزبيدي هو إسرائيل نفسها. فإسرائيل تكمن مصلحتها في تفتيت العالم العربي وضرب استقراره، وهي المصدر الأول للتهديد في المنطقة، كذلك كانت وما زالت وستبقى. وبالتالي فإن أي تحرك فيه مصلحة إسرائيلية ينبغي أن يُفهم مبدئيا على أنه ليس في مصلحة دولنا وإقليمنا، وبالمقابل فأي خسارة تمنى بها إسرائيل في المنطقة، هي بالضرورة في مصلحتنا جميعا.
*نقلا عن الجزيرة نت