في هذه السلسلة يكشف (الموقع بوست) حقيقة ما يسمى بالخرافة السلالية الهاشمية، من خلال (12) حلقة متتالية، توضح كيف تم صناعة هذه الخرافة، و كيف جرى الترويج لها، واقناع الناس بها تأريخيا. السلسلة تشكل مجموعة ابحاث تأريخية عميقة، استغرقت وقتاً طويلاً في سبيل الوصول الى الحقيقة. ثانيا: تفضيل بني إسرائيل: بداية تجدر الإشارة إلى أن اقتران أو وصول فرد أو مجموعة إلى منطقة الاصطفاء ، كما يترتب عليه اشتراطات والتزامات إضافية – مقارنة بمن هم خارج منطقة الاصطفاء – فإنهم وبمقتضى العدالة الإلهية تضاف لهم – مقابل الالتزامات الإضافية- المزيد من الفضيلة والتفضيل بما يمكن تسميته مجازا متوالية التفضيل. وبهذا المعنى يقول الله تعالى : "والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم"، ويقول في قصة أهل الكهف ، وهم جماعة : "إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى". • خصوصية بني إسرائيل : إن مجرد كثرة ورود قصص بني إسرائيل ، واحتلالهم مساحة كبيرة من القرآن الكريم يؤشر على وضعيتهم الخاصة كمادة بشرية فيها الكثير مما يمكن أن يمثل عبرة وعظة لغيرهم، لاسيما للمسلمين . غير أن هذه الخصوصية ليست ناجمة فحسب عن مقدار مساحة الاهتمام في القرآن، لأن هناك دواعي أخرى لهذه الخصوصية مكنتهم من الوصول كجماعة إلى دائرة التفضيل. تبدأ الملحمة اليهودية بإبراهيم عليه السلام، مرورا بقصة الذبح لأحد أولاده ، وقصة يوسف وإخوته ، وصولا إلى موسى ، ثم داوود وسليمان، وانتهاء بعيسى ، وباستقراء التاريخ اليهودي من مصادر مختلفة يجد المرء صعوبة في إيجاد ذات الدراما في سجلات التاريخ البشري لأقوام آخرين. بالتأكيد هناك شعوب تعرضت للغزو وتدمير مدنها وقتل رجالها وأسرهم ، وسبي نسائهم وأطفالهم ، بل كان هذا الوضع القلق سمة معظم العصور التاريخية المدونة ، إلا أنها لم تكن رغم ذلك بنفس المدى المتنوع للمسيرة التاريخية اليهودية ، ولو اقتصرنا فقط على ما ورد في القرآن بشأنهم لناحية أبرز معالم حياتهم لرأينا كيف تناقض تاريخهم ما بين اضطهاد استثنائي في عهد موسى ، وفرعون، وملك ومجد استثنائي تجلى في ملك سليمان . ومن فرار شعب بكامله ومطاردته من فرعون ، إلى أسره بالكامل على يد نبوخذ نصر البابلي كما جاء في كتب التاريخ . ومن الملاحظ أن صيغة التسمية في القرآن "بني إسرائيل" بدأ ترديدها كما يتبين من السياق القرآني في قصة موسى وفرعون بكثرة وما تلاها، وبالعودة إلى بعض التواريخ بين وصول يعقوب وأبنائه لمصر وطرد أحفاده في عهد موسى نجد أن هذا الشعب المنحدر عرقيا من يعقوب (إسرائيل) بن إسحاق بن إبراهيم تمكن عبر قرون من تكوين ثقافة خاصة قوامها الدين والعرق ، حتى أصبح الدين الإسرائيلي علما على الشعب الإسرائيلي ، رغم اعتناق غير إسرائيليين للدين اليهودي. وبقدر ما مكنت هذه الثقافة المركبة من حفظ هوية خاصة باليهود بقدر ما جعلت منهم فئة معزولة عن محيطهم ، ما أعطى تاريخهم سمة خاصة ذات طابع نضالي ، وجعلتهم أشد تمسكا والتزاما بالدين – مقارنة بغيرهم- ما أهلهم لاستحقاق وسام التفضيل الإلهي فقال تعالى: "يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين"، وقال: " ولقد اخترناهم على علم على العالمين" . إذن، ومرة اخرى ، يتأكد أن الاختيار والتفضيل قائم على أساس من علم الله ، وأنهما وقعا على بني إسرائيل استحقاقا لاحقا . لكن الإشكالية باقية في الجيل الاسرائيلي الأول أي توارث الاصطفاء على أساس القرابة العضوية في حالات إسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وإخوته عند من قال إن إخوة يوسف أنبياء ، ثم ظهورها في نسلهم ، ويمكن معالجة ذلك في معنيي الوراثة ، والذرية الواردين في القرآن: • الوراثة : يقول تعالي "وورث سليمان داوود" ، في الآية ومن واقع السياق القرآني والتاريخي أن الوراثة المقصودة هي الملك، ووراثة الابن لملك أبيه هو السائد في أغلب فترات التاريخ. أما النبوة فيوحي السياق القرآني أن سليمان نال اصطفاء النبوة قبل موت أبيه داوود ، يقول تعالى: " ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما..". • الذرية : يقول تعالى" وجعلناها كلمة باقية في عقبه" ويقول " ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون.." . ويقول" أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل.."، ويقول" ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم". ويقول" ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب.." الآيات السابقة تشير إلى الوراثة أو الانتقال العضوي للاصطفاء والفضل كما يظهر من عباراتها. لكن يمكن مناقشة المسألة من عدة جوانب: