سرد تجربته في حوار مع الموقع بوست.. الروائي عبد الله الإرياني: الكاتب اليمني مُعتقل في مأزق الحرب (فيديو)
- صنعاء - مبارك الباشا الإثنين, 18 مارس, 2019 - 04:01 مساءً
سرد تجربته في حوار مع الموقع بوست.. الروائي عبد الله الإرياني: الكاتب اليمني مُعتقل في مأزق الحرب (فيديو)

[ الروائي الإرياني أحد أبرز الروائيين في اليمن ]

بدأ الروائي اليمني عبد الله عباس الإرياني تجربته في الكتابة في سن متأخرة، تحديداً في الخمسين من عمره، حيث ولج حقل التأليف قادمًا من تجربة مختلفة تمامًا، وقبل أن يصبح الإرياني كاتباً كان مهندساً بارعاً، وهنا تكمن مفارقته البديعة في التوليف بين تجربتين مختلفتين، فقد جمع بين تخصصه الهندسي، وموهبة الكتابة.

 

وعلى عكس الكثير من الأدباء اليمنيين الذين بدؤوا مشوارهم في الكتابة في سن مبكرة، واتخذوها دربًا لهم؛ استهل الإرياني حياته مهندسًا، ولم يكن يخطر بباله احتمال أنه قد يصبح كاتباً في يوم ما، رغم امتلاكه لبعض التجارب البسيطة في الكتابة، لكنه لم يكن ليكترث لها، فصرف جهده في سبيل الهندسة، ومع ذلك لم يغفل أمر القراءة كسلوك ثقافي عام.

 

هواية متأخرة

 

قضى الإرياني ثلاثة عقود من عمره بالعمل في مجال الهندسة، لكنه وجد نفسه تتوق إلى الكتابة في مرحلة عمرية متأخرة، ليكتب فجأة "صنعاء ذات مقيل"، أول قصة قصيرة استلهمها من مقيل صنعاني حضره ذات مساء في (2005)، وقد تفجرت موهبته بعد ذلك لتفصح عن كاتب نجح في اكتشاف ذاته السردية ولو متأخرًا.

 

 
في نفس العام تنحى الإرياني قليلاً عن مهنة الهندسة، وتفرغ للكتابة، ورغم قصر تجربته الأدبية، إلا أنه حقق رصيداً كبيراً بالقياس إلى عمر هذه التجربة، وخلال 15 عاماً من التأليف؛ أثرى الإرياني المكتبة اليمنية بمنجز أدبي كبير، فقد صدرت في (2006) روايته الأولى "دون ملل"، عن دار عبادي للنشر في صنعاء، ومثلت هذه الرواية بداية انطلاقته في عالم الكتابة، أتبعها بالعديد من المؤلفات لاحقًا، ليبلغ مجموع إنتاجه الأدبي 17 مؤلفاً، ما بين الرواية، والمسرحية، والقصة القصيرة. أبرز مؤلفاته، رواية "جولة كنتاكي"، الصادرة في (2014) عن دار عبادي في صنعاء، وتجسد بعض ملامح ثورة 11فبراير، إضافة إلى رواية "الحب في زمن الكلاشينكوف"، الصادرة في الأردن مطلع (2019)، عن دار وردة للنشر والتوزيع، والتي تتناول طبيعة التحولات الاجتماعية والسياسية لثورة 26 سبتمبر، وعلاقة القبيلة بها وبالدولة.

 

رواية جديدة

 

قد يكون الوقوف على المشهد الحالي للبلد مناسبًا لقراءة رواية الإرياني الأخيرة "الحب في زمن الكلاشينكوف"، التي جاءت ضمن سياق معضلة الدولة في اليمن، ويعالج الإرياني من خلال هذه الرواية مسألة الصراع بين الدولة والقبيلة منطلقًا من ثورة  26 سبتمبر، جاعلاً من أحداثها مادته الرئيسية، وقد جمع في سرده بين البعدين، التاريخي والسياسي، فهو يؤرخ للماضي من ناحية ويستشرف للمستقبل من ناحية أخرى.

 

للوهلة الأولى قد يتبادر إلى ذهن القارئ -من خلال عنوان الرواية - أنها تتحدث عن الصراع الحالي في اليمن، لكنها تتناول مرحلة تاريخية سابقة، ويمكننا القول إن الإرياني كان يحاول تحذير الجميع في هذه الرواية، من خطر واحد "تغوّل القبيلة في الدولة اليمنية".

 

الإرياني تحدث عن النقد كأمر مهم للتقييم

 

وقد رصدت هذه الرواية بعض ملامح الصراع في ثورة 26 سبتمبر، والتحولات الاجتماعية التي أفرزتها هذه الثورة، وقد نتج عن هذه التحولات ظهور قوة جديدة مناوئة لمشروع الدولة المدنية الذي جاء به الثوار، تمثلت هذه القوة بـ"المنظومة القبلية"، التي انخرطت في الصراع إلى جانب الملكيين آنذاك، وحظيت بدعم السعودية، في حين حصل الثوار على تأييد ودعم الرئيس المصري جمال عبد الناصر، لكن بعد سقوط النظام الملكي وعودة الجيش المصري، انقلبت الموازين لصالح القبائل، وضعف أنصار الثورة، فبدأت القبيلة في التغوّل داخل منظومة الحكم، من هذه الزاوية انطلقت الرواية في معالجتها لمسألة بروز القبيلة كقوة موازية للدولة، حيث نجحت في فرض رؤيتها على الدولة الوليدة بعد الثورة، ومنذ ذلك الحين يقول الإرياني: "حدثت الانعطافة في ثورة سبتمبر، وتحولت من ثورة مدنية إلى ثورة قبلية".

 

تنويعات الكتابة

 

رغم براعة الإرياني في الرواية، إلا أنه يجد ذاته أكثر في كتابة المسرحية، ويقول: "إنها توفر له مساحة أكبر من الحرية في الكتابة، إضافة إلى اعتمادها على الحوار كفكرة أساسية في السرد"، ويرى أن كتابة المسرحية تتيح له -أكثر من الرواية والقصة- تجسيد ما يعتمل في العقل الباطن بتجرد مطلق على لسان الشخوص التي يخلقها في السرد.

 

ويبدو الإرياني غير مكترث للمصير الذي قد تؤول إليه مسرحياته، وما إذا كانت ستتحول إلى أعمال فنية أم لا، إذ يقول إنه يكتب تحقيقًا لهدف ذاتي مجرد، وليست له غاية من الكتابة سوى ذاتها كنشاط يمنح الشخص سلامه الداخلي، ويرى أن الكتابة امتداد خالد للذات الإنسانية الفانية، وهي أيضًا انعتاق لهذه الذات.

 

وحول سؤالنا عن مستقبل التأليف المسرحي، بدا الإرياني غير متفائل، إذ يرى أن المسرح بعمومه قد تراجع كثيراً بعد تحقق الوحدة اليمنية، بسبب تصاعد المد الديني، وبالتالي تنامي النمط الثقافي المُحافظ، ويستشهد على تدهور النشاط المسرحي والسينمائي بعد الوحدة، ببعض المظاهر، منها مثلا، اختفاء المسارح ودور السينما في عموم محافظات الجمهورية بعد سنوات من تحقق الوحدة.

 

يقول الإرياني: "في حين كان يُفترض بالوحدة اليمنية أن تُعزز التوجه المدني، وتساهم في إنعاش الثقافة، إلا أنها أفسحت المجال لتغول القبيلة أكثر في منظومة الحُكم، والنتيجة كانت انحسار المد الثقافي والمدني في المجتمع، وهو أحد الأسباب التي أوصلتنا إلى الوضع الحالي".

 

من الأعمال الروائية التي قدمها الإرياني

 

 حضور الواقع

 

وبخصوص تفاعل المنجز الأدبي للإرياني مع قضايا الواقع الاجتماعي والسياسي، يؤكد الإرياني على حضور هذا الواقع بكامل تجلياته في مؤلفاته، سيما القصصية منها، حيث يقول إنه استوحاها من أحلام الناس ومعاناتهم اليومية. أما الواقع السياسي فقد تواجد بشكل رمزي في بعض كتاباته، وأحياناً أخرى حضر بصيغة مباشرة، كما في رواية "جولة كنتاكي" الصادرة في 2014، التي تحاكي ثورة 11 فبراير.

 

وعن الفساد السياسي الذي اتسم به نظام الحكم منذ الوحدة اليمنية وحتى اليوم، يقول الإرياني إنه أشار إليه في عدة مشاهد وفصول من رواياته، ولنا أن نذكر قصتة "نائب الفاعل"، التي عالجت مسألة الفساد في قالب طريف، حيث تقع الحوادث والخراب في كل مكان بينما الفاعل مجهول، فالجميع يرى الفساد لكنهم يجهلون فاعله.

 

اتسم أدب الإرياني في مجمله بطابع سياسي يرصد الماضي ويستشرف للمستقبل، وقد تناول فيه معظم الوقائع والتحولات السياسية في اليمن، ابتداء من التواجد العثماني، الذي جسده في رواية "سم الأتراك"، مرورا بالعهد الإمامي، الذي تناوله في "مئة عام من الفوضى"، ووصولا إلى ثورة فبراير، التي حضرت في رواية "جولة كنتاكي".

 

الروائي الإرياني مع الزميل مبارك الباشا

 

 "الغُرم" معضلة الدولة اليمنية

 

القبيلة اليمنة حاضرة بقوة في أدبيات الإرياني، فقد تناول العديد من المسائل الشائكة في منظومة القبيلة، وعالج في روايته "الغرم"، الأساس القيمي الذي نشأت عليه القبيلة، فالغرم هو الوشيجة التي تجتمع حولها القبيلة. التزام جماعي مبني على العصبية والولاء للقبيلة، وهو بصيغة أخرى تضامن بنيوي تقوم عليه استحقاقات كثيرة، يتمثل بعضها في واجب الانخراط في الثأر والحرب دفاعًا عن القبيلة.

 

يقول الإرياني: "للغرم القبلي شقين، الأول إيجابي، وهي حالة التضامن الداخلي بين أفراد القبيلة، أما الشق الآخر فهو سلبي، ويتمثل في سلوك العصبية الذي يكون استحقاقًا لهذا الغرم، وما يسدعيه هذا السلوك من بناء للقوة المسلحة وحصر انتماء الأفراد في عشيرة واحدة (وطن صغير)، وحين تكتسب القبيلة أحقية الولاء قبل الوطن يصبح المجتمع والدولة في خطر، لوجود القبيلة كتكتل مسلح لا يخضع إلا لمنظومته الخاصة".

 

ويقارب الإرياني بحذر هذه المسألة في رواية "الغرم"، ويثير تساؤلات ظلت كامنة حول علاقة القبيلة بالدولة، وهو يقول: "إن استقرار الدولة في اليمن يعتمد على ضعف القبيلة، وبالتالي فإن بقاء القبيلة قوية يعني وجود دولة ضعيفة".

 

اعتمد الإرياني على المكون القبلي فقط في تقييم قوة الدولة، وجاءت مقاربته هذه انطلاقًا من مكمن الخطر في المنظومة القيٙميّة لدى القبيلة، التي تُمجّد العنف، وتحث على استخدام القوة، وبالتالي فإنها تتناقض كليًا مع المدنية، على اعتبار الأخيرة مقوم بنيوي في تركيبة الدولة.

 

الإرياني: لا يحظى المنجز الأدبي اليوم بالتقدير الكافي

 

وفي هذا السياق، يقول الإرياني: "من مثالب ثورة 26 سبتمبر، أنها قٙوت القبيلة وأخرجتها من قمم النظام الإمامي، حتى أصبحت قوة مناوئة تنازع الدولة وجودها، وقد استطاعت فرض إرادتها على الدولة وتخلصت من الخصوم المدنيين عقب الثورة، كما فعلت مع الرئيس الحمدي، وكانت النهاية أن انتصرت القبلية على المدنية".

 

مشكلة الثقافة

 

وضمن مأزق الأدب في اليمن، يقول الإرياني: "لا يحظى المنجز الأدبي اليوم بالتقدير الكافي، ويعاني من انعدام تفاعل المجتمع معه، إضافة إلى شحة القُراء". وهذا دليل على أن الجمهور لا يكترث لأمر الثقافة بحسب رأيه، لكنه لا يلقي باللوم عليهم. ويشير إلى أن ازدهار الثقافة في أي بلد يعتمد على عوامل كثيرة، يذكر منها الاستقرار السياسي والاقتصادي، ومستوى دخل الفرد في المجتمع.

 

ويقول الإرياني إن هذه العوامل تؤثر بشكل مباشر على اهتمامات الناس، وبقياسها إلى واقعنا نجد أن "الاستقرار" كقيمة؛ غائب كلياً في اليمن". ويقرأ الإرياني معضلة الثقافة اليمنية من هذه الزاوية، ويُلخّص المشكلة بجملة واحدة "لا تزدهر الثقافة في الأوطان التي تتفكك".

 

وبخصوص حراك النشر المحلي، يقول الإرياني: "إن النشر والتوزيع مهام كاريكاتورية اكتسبتها المطابع اليمنية جُزافًا"، في إشارة إلى واقع دور النشر في صنعاء، فقد كانت تكتفي بطباعة الكُتب دون نشرها، ومعظم الإصدارات لم تكن تتجاوز محيط صنعاء، أما اليوم فلم يعد لتلك المطابع أي نشاط يستحق الذكر.

 

مشاكل فرعية

 

حين سألْنا الإرياني عن الصعوبات التي يواجهها الكاتب في الوقت الحاضر، أجاب بأن مسألة النشر هي التحدي الأكبر لدى الكاتب، الذي يضطر غالبًا إلى إصدار مؤلفاته من نفقته الخاصة، إضافة إلى عوائق التوزيع والسفر، هذا إذا استطاع الكاتب تجاوز قلقه الشخصي أولاً.

 

يؤكد الإرياني على أهمية الاستقرار النفسي والمادي في حياة الكاتب، ويرى بأن توفر المال شرط أساسي لمزاولة الكتابة. ويذكر في هذا السياق، أنه أنفق نقوده التي كان قد حصدها من عمله في الهندسة على إصدار أعماله الأدبية، ويقول: "من المؤسف أن تصبح كاتبًا في اليمن"، ويبدو الإرياني حريصًا على التوفيق بين هوايته ومتطلبات الواقع.

 

ضمن محنة النقد

 

بدا الإرياني مُحبطًا حين سألناه عن واقع النقد الأدبي في اليمن، فتجربة السرد بعمومها تفتقر إلى التقييم، إذ يرى أن النقد الأدبي لم يتواجد بعد كمنهج معرفي لتحليل النصوص الشعرية والروائية، ومع ذلك يشير إلى وجود بعض الدراسات والمقالات التي تٙطرّق بعض النقاد من خلالها لبعض الأعمال الأدبية، لكنها لم تكن دراسات معمقة، ولم تضف شيئًا جديداً، إذ إنها تبدو كما لو كانت مديحا للعمل وليس نقداً له.

 

وفي هذا السياق يبدي الإرياني استغرابه من تحفظ بعض النقاد في أسلوبهم، ويتساءل: "هل يخشون تجريحنا؟"، وهو يرى أن على الناقد أن يكشف مكامن القصور في العمل الأدبي، لا أن يمتدحه، لأن المديح لا يمنح الكاتب سوى الوهم. ويقول الإرياني إن حاجة الكُتّاب إلى الدراسات النقدية اليوم باتت كبيرة، لأن النقد يسهم في تطور حراك الإبداع وإثرائه، وكلما ازدهر النقد تطورت التجربة الأدبية أكثر.

 

يعتقد الإرياني أن غياب ثيمة النقد الأدبي إلى حد كبير انعكس بشكل سلبي على الإنتاج الشعري والروائي في اليمن، لأن الإبداع لا ينمو في غياب النقد، وسيظل الإنتاج الأدبي في تدهور مستمر ما دام لا يتعرض للتقييم. ويشير الإرياني إلى وجود بعض الأعمال الأدبية التي لا ترتقي لمستوى النشر العربي، وهذا بحسب رأيه أحد الآثار السلبية لغياب النقد.

 

الإرياني: الكاتب اليمني سيظل مُعتقلا في بيئته، وسيبدع فقط بقدر ما ينجو من الضغوط والاستحقاقات

 

سؤال المصير

 

ولدى سؤاله عن مدى تأثير أزمة الحرب على الواقع الشخصي للروائي، وكيف من المُفترض أن يتفاعل مع هذه الأزمة، جاءت إجابته واضحة: "في الحروب تختفي الحريات الثقافية. يمكن لأي نوع من الكتابة أن يُعرِض الروائي للخطر، لو فُهم على نحو خاطئ". لكنه يقول: "لا يمكن للروائي التملص من الواقع نهائيًا، لأنه ضمير الناس، عليه التزام أخلاقي تجاههم، يتوجب أن يلتحم بالمعاناة ويكتب عنها"، ويضيف: "يمكن للكاتب أن يؤجل النشر في حال الخطر، لا بأس في ذلك، لكنه لن ينجو من ذاته إن لم يكتب".

 

وحول المصير الذي قد يؤول إليه الكاتب، يجيب الإرياني بأن "الكاتب اليمني سيظل مُعتقلا في بيئته، وسيبدع فقط بقدر ما ينجو من الضغوط والاستحقاقات". من ناحية ثانية يشير الإرياني إلى أن المواهب والإبداعات الشابة لا تجد متنفسًا لها اليوم في واقع محتقن، إنهم ضحايا الظرف الراهن. ويقول: "ستنعكس هذه الحرب سلبًا على مستقبل جيل بكامله، الكثير من الشباب يهاجرون اليوم إلى بلدان أخرى بحثًا عن فرص جديدة للحياة، ونسبة كبيرة ممن سيظلون في اليمن لن يحصلوا على تعليم مناسب، نتيجة لهذا سيخسر اليمن الكثير من المواهب والطاقات".

 

في الأخير يقول الإرياني إنه سيختار الكتابة فيما لو قُيّض له البدء من جديد، وهو نادم على شيء واحد، أنه لم يبدأ الكتابة في سن مبكرة، ومع ذلك يبدو اليوم مُنهكًا وفاقدًا للزخم كما الكثير من اليمنيين الذي يعيشون في ظل الحرب، لكنه لم يهجر الكتابة بعد بشكل كُلي، ويقول إن الكثير من الأفكار ما تزال بجعبته، لكنه يتحين الفرصة المناسبة لإنجازها.



التعليقات