معركة تعز: رهانات الموقع والاستراتيجيات المتضاربة (دارسة)
- الجزيرة نت - علي الذهب الأحد, 04 سبتمبر, 2016 - 07:37 مساءً
معركة تعز: رهانات الموقع والاستراتيجيات المتضاربة (دارسة)

[ تعز: عقدة الحرب اليمنية (الجزيرة) ]

تناقش هذه الورقة المعركة الدائرة بتعز، بين الجيش الوطني وفصائل المقاومة الشعبية المساندة للرئيس هادي من جهة، واللجان الشعبية الحوثية والجيش المساند لها من جهة أخرى، في إطار الحرب الناشبة في اليمن منذ أكثر من ستة عشر شهرًا، وتُوطِّئ لهذا النقاش باستعراض تحليلي موجز للأهمية الاستراتيجية لتعز، في البعد العسكري ذي الصلة بنتائج المعركة وأهداف الحرب.
 
ثم تتناول، بالتحليل، جوانب هذه المعركة، أطرافًا، وخططًا، وتفاعلات، ونتائج، وتقف على أسباب استطالتها وآفاقها المحتملة، اعتمادًا على توجُّه عجلة الحرب ومحركاتها، التي جعلت من المعركة كما لو أنها تجري في طريق لا نهاية لها.
 
مقدمة
 
سبعة عشر شهرًا على دخول محافظة تعز خط المواجهة المسلحة بين طرفي الحرب في اليمن، وهما: الرئيس عبد ربه منصور هادي وحلفاؤه من جانب، وجماعة أنصار الله (الحوثيون) وحليفهم الرئيس السابق على عبد الله صالح من جانب آخر، ولا تزال الحرب في تمدد مستمر على خريطة المحافظة، سواء في مركزها الإداري، الذي يحمل نفس الاسم، أو في المدن الصغيرة والأرياف والجبال والسواحل التابعة لها، حقَّق فيها الجيش الوطني والمقاومة بالتنسيق مع طيران التحالف العربي (1)، نتائج معتبرة؛ حيث خسر الحوثيون وصالح العديد من المناطق التي كانت تحت سيطرتهم في مركز المحافظة وخارجها.
 
أمام هذا التحول المفاجيء، لا شك أن تغيرًا طرأ على نمط القتال، وخططه، وإمكانياته، ومواقف أطراف في التحالف إزاء هذه الجبهة، التي ظلت مثار جدل حول تعثر الجيش الوطني والمقاومة فيها، وأسباب تراخي التحالف بشأنها؛ حيث توقفت عملياته عند حدود ما قبل مايو/أيار 1990، التي تقع مناطق برية وساحلية من تعز على أطرافها، برغم ما يشكِّله تحرير هذه المحافظة من قوة دفع لعجلة الحرب، وتأثير مهم في الجهات الأخرى، يجني ثمارها الجيش الوطني والمقاومة الشعبية، على طريق المعركة الكبرى والهدف الأول للحرب، وهو استعادة العاصمة وإعادة شرعية الرئيس هادي.
 
الأهمية الاستراتيحية لتعز
 
يمكن وصف محافظة تعز، بأنها الجزء الأكثر حساسية وتأثيرًا في الخاصرة الطبيعية لليمن؛ فموقعها المشاطئ للبحر الأحمر، في الجزء الجنوبي الغربي للبلاد، عبر مديرية المخاء ومينائها، ومديرية ذو باب، ومديرية المندب، التي تقع على مضيق باب المندب، أعطاها إطلالة بحرية واسعة للاتصال بالقرن الإفريقي، وما يتبع ذلك من قيمة استراتيجية وجيوستراتيجية. كما أن تنوع تضاريسها بين السهلية والجبلية، أعطاها ميزة اقتصادية، وهي ميزات لها أهميتها الكبيرة في ظروف السلم والحرب.
 
لذلك، كان من أولويات العملية العسكرية المعروفة بعاصفة الحزم، التي تقودها السعودية في اليمن، منذ مارس/آذار 2015، السيطرة على مضيق باب المندب، بالاستيلاء على رؤوس الشواطيء القريبة منه وعلى الأراضي المذكورة آنفًا، مع السيطرة على جزيرة ميون (بريم) الواقعة في قلب المضيق؛ منعًا لأي توتر إقليمي أو دولي أو تهديد للملاحة الدولية، أو الاستفادة منه من قبل الحوثيين لأغراض الحرب (2).
 
كما تكمن الأهمية الاستراتيجية لتعز، في كونها إحدى أهم نقاط الوصل والفصل الجغرافي بين ما كان يسمى الشطر الشمالي والشطر الجنوبي من اليمن؛ بفضل موقعها الذي يمتد من البحر الأحمر غربًا إلى الداخل بمحاذاة محافظتي لحج، والضالع (من الشطر الجنوبي سابقًا)، وهو ما يضعها ضمن خريطة من يسعى لتحقيق نصر عسكري ضامن للوحدة اليمنية أو ضدها. كما يعزِّز هذا الموقع سيطرتها على شبكة من الطرق البرية، كالطريق الساحلية المؤديةإلى عدن، والطريق الرئيسة الرابطة بينها وبين لحج إلى عدن، وطرق أخرى تربط بين مديريات تابعة لها وأخرى تابعة لمحافظتي لحج والضالع، إضافة إلى طرق أخرى تربط بينها وبين محافظات شمالية مثل إب، والحديدة.
 
عسكريًّا، تكتسب هذه الطرق أهمية استراتيجية في ظروف الحرب التي تمر بها البلاد، لاسيما بعد تدمير المطارات والموانئ، إذ عادة ما يقلِّل التحكم بها والسيطرة عليها من فرص النصر، بل يجعلها منعدمة في حال غياب البدائل الأخرى؛ لأن التحكم بها أو تهديدها، إنما يعني التحكم بإمدادات العدو وتحركاته، وتهديد تماسكه، والتأثير في أفكار قادته ومقاتليه لأنه يربك حساباتهم ويحد من خياراتهم، إلا أن حجم ذلك التأثير  يتوقف على طبيعة التحكم وطرق توظيفه (3).
 
هنا، تجدر الإشارة إلى أن من بين المسائل التي ركز عليها الحوثيون وصالح، وفقًا للتحول، الذي نشأ عن تشكيل مجلس سياسي أعلى لإدارة البلاد، استماتتهم في إحكام القبضة على تعز، والسعي لإخضاعها كاملة، بوصفها مركز ثقل جغرافي مثلما أنها مركز ثقل سكاني (4)، ومركزًا للحراك الثوري، ومصدرًا للتحشيد الجماهيري الداعم للثورات الغاضبة، على امتداد تاريخ اليمن السياسي الحديث والمعاصر (5)، ولا أدلَّ على ذلك من انقلاب مارس/آذار 1955، وثورة سبتمبر/أيلول 1962، وثورة فبراير/شباط 2011 (6).
 
في ظل هذه المعطيات، يمكن تفسير التعامل المبكر مع تعز من قبل الحوثيين وصالح؛ حيث هوجمت بطريقة ماكرة من خلال الدفع بعناصر قبلية مسلحة ترتدي بزات قوات الأمن الخاصة، إلى مقر هذه القوات، بالتعاون مع قيادتها وقيادات عسكرية أخرى، في أواخر مارس/آذار 2015، وهي خطوة عسكرية ذكية قطعت الطريق مبكرًا أمام أية محاولة لجعل تعز مركز تحشيد يتصدى للانقلاب أو أن تقف عائقًا دون وصول قوات الانقلابيين إلى عدن، بناء على موقفها في حصار السبعين يومًا على صنعاء (نوفمبر/تشرين الثاني 1967-فبراير/شباط 1968)؛ حيث كانت تعز، آنذاك، مركز تجمع للثوار من البيضاء، وإب، وريمة، وعتمة، والضالع، وعدن، ومنطلقًا إلى صنعاء عبر الحديدة، إلى أن كُسر ذلك الحصار.
 
الوضع القتالي القائم
 
تكشف المعارك في تعز عن وجوه كثيرة، من التقارب والتباعد، داخل كل فريق على حدة، وإن بدت الصورة للمراقب الخارجي مثالية، كما تقدم المعارك المستمرة ملامح للخطط والتكتيك المتبع، والنتائج التي لا تخلو من بصمات رجال بعينهم. وفيما يلي، سيجري الوقوف على كل هذه المفردات، بالقدر الذي يرصد الوضع ويفسره ويرصد تفاعلاته المهمة.
 
أولًا: فرقاء الحرب
 
سبق للباحث أن تناول في ورقة، نُشرت في موقع مركز الجزيرة (7)، تفاصيل طرفي الحرب، على مستوى البلاد، دون الدخول في تفاصيل دقيقة حول التشكيلات والجماعات المتصارعة في كل جبهة، وهذا ما سيجري إيضاحه هنا؛ بناء على ما أُتيح من معلومات جديدة قابلة للنشر والتداول (8).
 
الجيش الوطني وفصائل المقاومة
 
تدعم هذه التشكيلات سلطة الرئيس هادي، وتتكون من الوحدات والفصائل التالية:
 
وحدات الجيش الوطني

تشمل ثلاثة ألوية غير مكتملة، أُسِّست خلال فترة الحرب، من منتسبي وحدات مختلفة من الجيش السابق، التي رفضت انقلاب الحوثيين، وتمسكت بولائها ودعمها للرئيس هادي (9). كما اندمج فيها 2000 جندي من المجندين الجدد، بعد إخضاعهم لفترة تدريب بين لحج وتعز. وتتسلح هذه التشكيلات بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، التي قدمها التحالف، وعدد محدود مع الأسلحة الثقيلة، التي غُنِمت أثناء المواجهات. ويقودها المجلس العسكري بتعز عدد من القادة والضباط، أبرزهم رئيس المجلس العميد صادق سرحان، والعميد يوسف الشراجي، والعميد عدنان الحمادي، والعميد عبدالرحمن شمسان.
 
فصائل المقاومة الشعبية

تشكيلات قتالية صغيرة ذات قيادات مستقلة، وتطلق على نفسها ألوية أو كتائب، لكنها لا ترقى إلى قوام ألوية وكتائب الجيوش، تسليحًا وعتادًا. وتنسِّق فيما بينها وبين الجيش الوطني أثناء خوض المعارك المشتركة، من أبرزها ما يلي:
 
 لواء الصعاليك

يتألَّف من مجموعة من الشباب المستقلين سياسيًّا، بحسب ما هو معلن، وينتمي بعضهم لمنطقة جبل صبر المطل على مدينة تعز، والبعض الآخر للمدينة ذاتها، مع عدد محدود ممن قَدِموا من مديريات المحافظة ومن محافظات أخرى، ويتولى قيادة هذه المجموعة ماجد مهيوب، والحسين بن علي. 
 
 كتائب حسم

مجموعة من المقاتلين الذين قدموا إلى تعز من بعض المحافظات الجنوبية والشرقية، في أكتوبر/تشرين الأول 2015، بعد انسحاب اللجان الشعبية الحوثية والجيش الموالي لهم من تلك المحافظات، إضافة إلى مقاتلين آخرين من تعز ومحافظات أخرى، ويقودهم عدنان زريق، من أبناء محافظة شبوة، والمقيم في مدينة القاعدة بمحافظة إب.
 
تعد كتائب حسم من أقوى فصائل المقاومة، وتتزايد قوتها يومًا إثر يوم، ولها بصمات في معارك كثيرة ضد الحوثيين، كان آخرها أثناء تحرير منطقة الصراري، التي وصفها قائد هذه المجموعة بـ"أحواز تعز"، في إشارة إلى إقليم الأحواز العربي الخاضع للسيطرة الإيرانية؛ حيث كان بعض قرى هذه المنطقة مركز نشاط عسكري وأيديولوجي يدار بواسطة موالين لجماعة الحوثيين (10).
 
كتائب أبي العباس

جماعة سلفية مسلحة تشكَّلت، أساسًا، من مقاتلين سلفيين من طلاب دار الحديث المهجَّرين، قسرًا، من بلدة دماج بصعدة (11)، ويقود هذه الجماعة أبو العباس عادل عبده فارع، أحد الطلاب المهجَّرين من صعدة، الذي ظل متواريًا عن وسائل الإعلام لفترة طويلة لأن المعتقد السلفي يحرِّم التصوير، ثم ما لبث أن عرفه الناس بعد انتشار صوره. وتعد هذه الجماعة من الفصائل شديدة البأس، التي لعبت دورًا فاعلًا في المواجهات، وأعلنت تأييدها رسميًّا للرئيس هادي بوصفه وليًّا للأمر.
 
لواء الطلاب

مجموعة من المقاتلين، أغلبهم من حملة شهادة البكالوريوس، وقد لعب هذا اللواء دورًا كبيرًا في معركة تعز من الأيام الأولى للمواجهة مع الحوثيين، وذاع صيته من خلال نشاطه البارز في الجبهة الغربية مع تحرير مقر اللواء 35 مدرع، ويقود هذا اللواء عبده الصغير، الذي يعمل مدرسًا لمادة الرياضيات بمدينة تعز.
 
جماعات مسلحة أخرى
مجاميع مسلحة لعبت أدوارًا بارزة في كافة المواجهات، غير أن وجودها، الآن، ظرفي ومحدود، مثال ذلك: جماعة الشيخ القبلي والقيادي في حزب المؤتمر الشعبي، عارف جامل. وعلى نحو ذلك جماعة الشيخ القبلي والقيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح، حمود المخلافي، الذي تعد جماعته من الجماعات الأولى للمقاومة الشعبية بتعز، إلا أنها لم يعد لها دور مستقل، نتيجة مغادرة الشيخ المخلافي إلى الرياض، في نهاية مارس/آذار 2016؛ حيث توزَّع بعض منتسبيها على صفوف الجيش الوطني والفصائل الأخرى للمقاومة. كما كان هنالك تشكيل يسمى كتائب الموت، تكوَّنت من الفارِّين من السجن المركزي، وجماعة أخرى يطلق عليها حماة العقيدة، وجميعها تلاشى ظاهريًّا، لكن بعض رجالها ما زالوا فاعلين في جماعات أخرى.
 
الجيش واللجان الشعبية الحوثية
 
تمثل هذه التشكيلات الطرف المواجه لقوات الشرعية، والمتبني للانقلاب، وتتكون من وحدات من الجيش النظامي السابق، ومقاتلين من اللجان الشعبية الحوثية، ومقاتلين قبليين آخرين من المناطق الخاضعة للحوثيين، وسوف يتم تفصيلها فيما يلي:
 
الجيش النظامي السابق

وحدات عسكرية رئيسة وأخرى فرعية، مثل: اللواء 22 مشاة، واللواء 17 مشاة، واللواء 35 مدرع، وقوات الشرطة العسكرية، وقوات الأمن الخاصة، وقوات الأمن العام، بكامل قوامها وتشكيلها وتنظيمها ، وتتبع عملياتيًّا المنطقة الرابعة بتعز، ويدين الكثير من منتسبيها بالولاء للرئيس السابق علي صالح. من أبرز قادتها العميد عبد الله ضبعان.
 
كما تُعزَّز بين حين وآخر بمقاتلين من مجندين جدد، وكتائب من وحدات مختلفة من قوات الاحتياط (الحرس الجمهوري سابقًا) (12) ، كاللواء العاشر المرابط بالحديدة، وكتائب من قوات الأمن الخاصة (الأمن المركزي سابقًا).
 
اللجان الشعبية الحوثية
جماعات مسلحة تتشكل من مقاتلين حوثيين عقديين ممن شاركوا في حروب صعدة الستة 2004-2010، ومقاتلين جدد جرى استقطابهم خلال العامين الماضيين، ولا يزالون بانتظار القيد الرسمي في سجلات وزارة الدفاع ووزارة الداخلية، ويُطلَق على بعض تلك التشكيلات أسماء أيديولوجية مختلفة، مثل: كتائب الحسين، وكتائب الموت، أما قوام هذه القوات فيتعذر تحديد عدده؛ نظرًا لحالات التضخم والانكماش اللذين تتعرض لهما هذه الجماعات لأسباب، منها: الهروب، والقتل؛ إذ تعد جبهة تعز من أكثر الجبهات، التي تكبَّد فيها الحوثيون خسائر فادحة في الأرواح، ويعد علي أبو الحاكم أبرز القادة فيها، علاوة على منصبه كقائد للمنطقة الرابعة بتعز، بموجب قرار اللجنة الثورية التي شكَّلها الحوثيون.
 
ثانيًا: خطط المواجهة
 
يبدو، أن القتال في تعز يجري وفق خطط قصيرة وظرفية، يفرضها تدافع الأحداث السياسية والعسكرية على كل طرف، كما لا يمكن فصل القتال فيها عن ما يجري في نهم، شرقي صنعاء؛ بمعنى أن الصورة، هنا وهناك، تبدو على النمط التالي: تصعيد عسكري واستماتة لكسب مزيد من الأرض، يقابله تصعيد واستماتة للتشبث بالأرض أو استردادها. وبطبيعة الحال، فهذه الخطط لا تنفصل عن استراتيجية عليا للحرب بوجه عام، فتُسيَّر المعارك حسب أولوية أهداف وغايات تمثِّل المبرر الأبرز لدخول تلك الأطراف الحرب.
 
مَنْ رصد المواجهات الدائرة في تعز، خلال عمرها الذي تجاوز سبعة عشر شهرًا، يميز بين استراتيجيتين، هما: استراتيجية إراقة الدم، واستراتيجية الإرهاق والاستنزاف (13)، وهما استراتيجيتان معروفتان في إدارة الحروب الدولية، ويمكن تطبيقهما على الحروب الداخلية؛ حيث تهدف الأولى إلى جرِّ طرفي الحرب إلى مواجهات مفتوحة، يدفع كل منهما ثمنًا باهظًا من رجاله، لتُفضي إلى طرفين منهكين، يكون المنتصر منهما الأقل ضعفًا، في مقابل أطراف قوية أخرى لم تشارك في الحرب أو خرجت منها مبكرًا، ما يتيح لها التفوق على الأطراف المستنزفة، التي تحتاج الكثير من الوقت لاستعادة قوتها ومجاراة نظرائها.
 
أما استراتيجية الإرهاق والاستنزاف، فلا تركِّز على إراقة الدم فحسب، بل والقوى والوسائل العسكرية. ووفقًا لهاتين الاستراتيجيتين، لا شك أن الصورة تبدو واضحة، لنطرح السؤال التالي: أي طرف، أو الأطراف، التي تتبنى ذلك، سواء في تحالف الشرعية والداعمين له، أو تحالف الانقلاب؟
 
لا شك في أن حجم الخسائر المادية والبشرية، في معركة تعز، وفي كافة جبهات الحرب، لأي طرف كان، يقدِّم إجابات واضحة على السؤال المطروح.
 
أمَّا في جانب التكتيك المتبع، فالملاحظ أن الجيش والمقاومة بالتنسيق مع التحالف، تحول من وضعية الدفاع إلى الهجوم وتطويره، بعد ركود طويل، ثم عمدوا إلى تقنيات أخرى مصاحبة، منها ما يلي:
 
التظاهر الخادع
 
بالتركيز على جبهة ما، بوصفها هدفًا مطلوبًا، وإثارة زوبعة قوية في مكان آخر بقصد الخداع وصرف الأنظار عن الهدف الحقيقي، على نهج: "تظاهَرْ في الشرق واضربْ في الغرب"؛ حيث استدرج الجيش والمقاومة مقاتلين حوثيين يتقدمهم ثاني أبرز قادتهم الميدانيين في تعز، بعد أبي على الحاكم، وهو ذياب علي أحمد، المُكنّى بأبي نسران، عندما أغروهم بإمكانية استعادة جبل هان، في منطقة الضباب غربي المدينة، فيما كانت المناوشات في منطقة صالة إلى الشرق منها، وقد كلَّف ذلك حياة هذا القائد وبعض مقاتليه.
 
الالتفاف والإحاطة

حيث بوغتت اللجان الشعبية والجيش المساند لها، في أكثر من موقع، ونتج عن ذلك سقوط مواقع عديدة في قبضة الجيش والمقاومة، بالاستفادة من دعم وإسناد طيران التحالف، كما حدث في محيط جبل هان غربي مدينة تعز عند الاستيلاء عليه؛ إذ وُضع مقاتلو الحوثيين بين فكي كماشة بفعل ذلك الالتفاف.
 
مضاعفة الإنهاك
باستثمار ضربات الطيران ووسائط النيران الأخرى في شلِّ قدرات اللجان الحوثية والجيش المساند لها، بتكثيف تلك الغارات وضربات المدفعية، لقمع أية محاولة للتجمع تهدف لشن هجوم مضاد، إضافة إلى تقنيات الأكمنة والإغارة على المواقع المنهكة أو التي انسُحب منها. فمثلاً: ضاعفت مقاتلات التحالف، خلال الأسبوع الثاني من أغسطس/آب الماضي، غاراتها الجوية على مواقع للحوثيين والجيش الموالي لهم، في سابقة لم تشهدها المدينة من قبل؛ إذ بلغ عدد الغارات الجوية خلال ذلك الأسبوع 90 غارة، ليتضح أن الأمر تم بالتنسيق مع عمليات التحالف، وأن الهدف منها إضعاف موقف الحوثيين، وتعزيز موقف المقاومة في منطقة الصراري، التي كانت قد سيطرت عليها قبل ذلك بأيام قلائل، ثم مهد ذلك للاستيلاء على جبل هان في الجبهة الغربية من المدينة، والتقدم في منطقة صالة مركز عمليات الحوثيين والجيش الموالي لهم.
 
استثمار النصر

تجسد ذلك بالمطاردة الحثيثة، وتعقُّب فلول اللجان الشعبية والجيش المساند لها، وذلك على نحو ما جرى داخل مدينة تعز، في أغسطس/آب الماضي 2016؛ حيث رُصدت عربة مشاة مدرعة تطارد فلولاً من مقاتلين حوثيين، في حارة قريش شرقي المدينة، فيم تضطلع طائرات التحالف بهذا الجانب بشكل مستمر، داخل مدينة تعز وفي مديريات الريف التابعة لها، بعد كل مواجهة مع المقاومة.
 
ثالثًا: تفاعلات المعركة ونتائجها المرصودة
 
ارتبطت معركة تعز بالمعارك التي كانت تدور في الجنوب ومأرب والبيضاء وصنعاء؛ حيث كانت مقاومة تعز في وضع ضعيف أمام مقاتلي اللجان والجيش المساند لها، لكن ما إن انسحبت قوات الشرعية من محافظات الجنوب، حتى تضاعفت قوتهم وانتقل ثقل المعركة إلى تعز، لتصبح المقاومة في وضع أفضل، فجاء الكثير من مقاتلي المقاومة القادمين من تلك الجبهات، ثم استعانت المقاومة بمقاتلين وبعض الأسلحة الثقيلة، وتطوير التعاون والتنسيق مع طيران التحالف، فمالت الكفة لصالح المقاومة التي باتت طرفًا قويًّا ولكن ليس الأقوى.
 
عملت فصائل المقاومة والجيش بالتنسيق والتعاون فيما بينها على تعظيم رصيدها على الأرض، فتمكنت خلال عشرة أشهر من استعادة مناطق من مركز المحافظة ومديريات الريف، محققة نتائج كبيرة يمكن رصد بعض منها فيما يلي:
 
أن الجيش الوطني وفصائل المقاومة بَاتَا، الآن، يملكان المبادرة والمبادأة، وباتت تصرفات اللجان الشعبة والجيش الموالي لها، ردود أفعال محدودة الأثر.

يسيطر الجيش والمقاومة على 80% من مساحة مدينة تعز، التي تضم ثلاث مديريات، هي: المظفر والقاهرة، وصالة، وهذه الأخيرة لا يزال القتال فيها قائمًا، ويوضح ذلك الجدول رقم(1).

فتح طريق التربة–الضباب–تعز (المدينة)، والاستيلاء على بعض المرتفعات، كجبل العروس، وجبل هيان، والمكلكل، وتأمين عدد من الطرق الأخرى في مديريات الريف.

خارج مركز المحافظة، يسيطر الجيش والمقاومة على عدد من المديريات، كما في الجدول رقم (1)، فيما يتداخل النفوذ مع اللجان الشعبية الحوثية والجيش المساند لها في عدد من المديريات الأخرى المتبقية.

لا تزال ست مديريات خاضعة للجان الشعبية الحوثية والجيش المساند لها، مع تقدم المقاومة في مديرية صالة (أعلى) الخاضعة للجان الشعبية بمركز المحافظة، كما يوضح ذلك الجدول رقم (2).

هنالك مديريات أخرى ليس لأي طرف فيها وجود فعلي، وإن كان كل منهما يدرجها ضمن سيطرته.

مديريات محافظة تعز الخاضعة للجيش الوطني والمقاومة الشعبية
 
التعزية
 
تقع في الجهة الشمالية والشمالية الغربية لمدينة تعز، ومديرياتها الثلاث، وتمتد حدودها إلى مطار تعز.
 
القاهرة
 
تقع وسط المدينة، ويسيطر عليها فصائل المقاومة السلفية المسلحة.
 
المظفر
 
تمتد من جنوب المدينة، إلى شمالها وشمالها الغربي، ويتقاسم النفوذ فيها كافة فصائل المقاومة والجيش.
 
جبل حبشي
 
إحدى مديريات الريف، وتخضع للجيش الوطني والمقاومة.
 
المعافر
 
إحدى مديريات الريف، وتخضع للجيش الوطني، وتضم أهم الطرق الممتدة إلى الجهة الغربية لمدينة تعز.
 
المواسط
 
من مديريات الريف، ويقوم الجيش بتأمين الطرق فيها.
 
الشمايتين
 
تقع في جنوبي المحافظة على حدود محافظة لحج، وتخضع للجيش الوطني ويمر بها أهم الطرق الداعمة للمقاومة.
 
  مديريات محافظة تعز الخاضعة للجان الشعبية الحوثية والجيش المساند لها
 
 
ماوية
 
تفصلها عن مدينة تعز مديريتا التعزية وصبر، وتتدفق منها الإمدادات للحوثيين والجيش المساند لهم.
 
خدير
 
تقع جنوب شرق المحافظة، وتمر عبرها طريق الراهدة-كَرِش-عدن.
 
حيفان
 
تقع جنوب المحافظة وتتصل بمحافظة لحج وتدور فيها مواجهات بين الطرفين.
 
المخاء
 
تقع غرب المحافظة، ويقع فيها ميناء المخاء على البحر الأحمر، وتعد من أهم خطوط إمداد الحوثيين.
 
ذو باب
 
تقع جنوب غرب المحافظة، وجنوبي المخاء على البحر الأحمر.
 
صالة
 
إحدى المديريات الثلاث المكوِّنة لمركز المحافظة، وتحتل شرق المدينة، وتتصل بطريق إمداد خلفي متصل بمديرية ماوية، وما زال القتال فيها مستمرًّا، مع تقدم الجيش والمقاومة فيها.
 
 لماذا طالت معركة تعز؟
 
يرتبط تحرير تعز ارتباطًا وثيقًا بتحرير صنعاء، ولو فرضنا، جدلًا، أن الجيش الوطني والمقاومة في تعز استطاعا دحر الحوثيين والجيش الموالي لهم منها، فإن المعركة ستتسع شمالًا وغربًا، ما يعني دخول محافظات أخرى دائرة الصراع، مثل: إب والحديدة، علاوة على اشتداد المواجهة في محيط صنعاء، بل قد يكون ذلك مدخلًا لمواجهة تُفضي إلى الاستيلاء عليها.
 
لذلك، يستميت الحوثيون والجيش الموالي لهم درءًا لمثل هذا المصير؛ حيث يعد خروج تعز من قبضتهم، تمهيدًا لخروج محافظات أخرى، وتحولها إلى معسكرات لدعم الشرعية بالمقاتلين ومؤن الحرب، وانحصارهم في حيز جغرافي مغلق، يفقدون معه المنافذ البحرية ومصادر الدعم والإمداد.
 
في الطرف الآخر، ممثلًا بالرئيس هادي والمساندين له من قوى الداخل والخارج، تبدو الإرادة السياسية منعدمة أو مشلولة؛ لأنها واقعة تحت تأثير حسابات ومصالح متعارضة، ولو كانت هناك إرادة فعلية وتوافق مختلف القوى المساندة للشرعية على الأهداف، لكان حال تعز كحال مأرب، أو عدن وغيرها من مدن الجنوب.
 
كما أن مراكز قوى في فريق الرئيس هادي، لا يسعدها انتهاء الحرب في تعز أو الشمال عمومًا، ولعل جانبًا من اتجاهات الرأي العام في الجنوب مع هذه الرغبة منذ سنوات؛ لأن انشغال الشمال بالحرب يحقق نتائج مفيدة لمتبني فكرة الانفصال؛ حيث إن إطالة أمد الحرب في الشمال يستنزف القوى الشمالية، فتتاح الفرصة للجنوب ليعد نفسه كقوة تفرض خيارها السياسي والعسكري، وهذا ترجمة عملية لاستراتيجية الإرهاق والاستنزاف، واستراتيجية إراقة الدم (14).
 
أما بعض دول التحالف فينظر إلى أبعد من تحقيق النصر، وهو: من سيحكم بعد النصر؟ وهنا، يكون الجواب: أن بعض القوى الإقليمية ترفض أن قوى وتيارات إسلامية تستأثر بالسلطة أو تكون الطرف الأكثر فاعلية فيها؛ كحزب التجمع اليمني للإصلاح، والتيارات السلفية المؤيدة له.
 
آفاق المواجهة المحتملة
 
كل معركة يكون فيها طرف منتصر، يظل عليه استثمار النصر، بمطاردة الخصم، مع أولوية التشبث بالأرض وتأمينها؛ فما الذي أعدته قيادة الجيش الوطني للحفاظ على ما تحقق في تعز، خاصة أن عدد من الاعتبارات المهمة تدفع الطرف الآخر للقتال باستماتة مجددًا لاستعادة ما خسروه؟
 
الإجابة على السؤال، متوقفة على الإرادة السياسية التي كانت سببًا في إطالة الصراع، فمتى تحررت هذه الإرادة من إسار الحسابات الضيقة والمخاوف المفتعلة، فإن تعز ستكون في مأمن، وستتحرك عجلة النصر شمالًا وغربًا، أما إذا ظلت على حالها، فإن معركة، أو معارك أخرى في انتظار المدينة، وتستمر حالة الكرِّ والفر، هذه، حتى يُوقفها حل سياسي.
 
كما أن عقبة أخرى تقف أمام عجلة الحسم، وهي الموقف الغربي، الذي يسعى للعب الحوثيين دورًا مهمًّا بوصفهم أقلية مذهبية، فيعمل على تأجيل حسم المعركة إلى وقت يكون الحوثيون فيه قوة داخلية وإقليمية ضاغطة لا يجني ثمارها سوى الغرب، من خلال توظيف صراع الأقليات في خدمة مصالحهم.
 
الخاتمة
 
بالنظر إلى وضع اللجان الشعبية الحوثية والجيش المساند لهم، في مارس/آذار 2015، ووضعهم اليوم بعد ستة عشر شهرًا من بدء معركة تحرير تعز، في مقابل وضع المقاومة والجيش الوطني آنذاك واليوم، تبدو الصورة واضحة، فهناك تفوق وسيطرة على الأرض لقوى الشرعية، ومشاركة في النفوذ في مناطق أخرى، يقابله تراجع سيطرة اللجان الشعبية والجيش المساند لها.
 
أما الجانب الآخر فتمثِّله المصالح المتعارضة لدى كافة أطراف الحرب، في سياق مصالح لدول كبرى، كانت تحرك وتراقب الأزمة اليمنية، ليس منذ فبراير/شباط2011، ولكن قبل ذلك بكثير؛ ولذلك ستتوقف المعركة ثم تُستأَنَف، إلى أن يتوصل مختلف القوى الإقليمية والدولية إلى حدٍّ أدنى من التوافق على شكل الصيغة السياسية للنظام الجديد باليمن.
 


التعليقات