الخليجيون وتحكيم العقل
الخميس, 26 مارس, 2026 - 04:42 مساءً

كانت قلوب العرب معلّقة بقلق حقيقي، خشية أن تنجرّ دول الخليج العربية إلى أتون حرب يقودها بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب ضد إيران، فتتسع الدائرة ويشتعل الإقليم بأكمله. لكن ما حدث كان العكس تماماً، إذ حكمت هذه الدول العقل، وكان ذلك من أجمل وأحكم ما فعلت.
rn 
rnفي لحظة إقليمية مشحونة، حيث تختلط الوقائع بالخطابات، اختارت دول الخليج أن تقف في منطقة أقل ضجيجاً وأكثر اتزاناً: منطقة العقل. لم يكن هذا الحياد تعبيراً عن تردد، بل قراءة هادئة لحرب تتجاوز حدودها المباشرة، وتخفي وراءها مشاريع أكبر من ساحات القتال نفسها.
rn 
rnهذه الحرب، في أحد أوجهها، تبدو مرتبطة برؤى يقودها كلٌّ من بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، حيث يتقاطع الطموحان عند فكرة إعادة تشكيل المنطقة. فترامب ينظر إلى الطاقة بوصفها أداة نفوذ عالمية، يسعى عبرها إلى إحكام السيطرة على مفاصل الاقتصاد الدولي، والضغط على خصومه، وفي مقدمتهم الصين. أما نتنياهو، فيتحرك ضمن رؤية تقوم على الهيمنة الإسرائيلية على الشرق الأوسط، مستفيداً من الفوضى لإضعاف البيئة المحيطة، وفرض وقائع جديدة على الأرض،في مقدمتها تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، وتفتح الباب أيضاً أمام تمدد تدريجي في الإقليم لتصل خارطة إسرائيل لظفتي النيل والفرات كما صرح قادة إسرائيل أنفسهم بذلك بدعم من التيار اليميني المحافظ في الولايات المتحدة.
rn 
rnفي هذا السياق، لا يصبح توسيع رقعة الحرب احتمالاً عابراً من قبل أمريكا وإسرائيل، بل هدفاً قائماً بذاته. إذ إن استدراج قوى جديدة—خصوصاً دول الخليج—إلى قلب الصراع، يعني توزيع الكلفة، وتعميق الفوضى، وإعادة رسم التوازنات تحت ضغط النار. وهنا تحديداً، يظهر معنى الموقف الخليجي.
rnلقد أدركت هذه الدول أن الانخراط في حرب كهذه لا يخدم مصالحها، بل يضعها في موقع المستنزف ضمن معادلات صاغها آخرون. لذلك جاء الحياد كخيار واع، لا انسحاباً من المسؤولية، بل رفضاً للانجرار إلى مسار مرسوم سلفاً. هو حياد يحافظ على الاستقرار الداخلي، ويُبقي باب التأثير مفتوحاً من خارج دائرة الاستنزاف.
rn 
rnالتجارب القريبة في المنطقة كانت كافية لتوضيح الثمن الباهظ لأي تورط غير محسوب. دولٌ انهارت، وأخرى استُنزفت، حين تحولت إلى ساحات لصراعات أكبر منها. ومن هنا، بدا الموقف الخليجي أقرب إلى وقاية استراتيجية، لا مجرد حساب سياسي آني.
rn 
rnإن تحكيم العقل في مثل هذه اللحظات ليس ضعفاً، بل قوة من نوع آخر، قوة ترى ما وراء الحدث، وتُدرك أن أخطر ما في الحروب ليس فقط دمارها المباشر، بل ما تفرضه من خرائط جديدة لا تُرسم بإرادة أهل المنطقة.
rn 
rnولهذا، لم يكن حياد الخليج غياباً، بل حضوراً مختلفاً… حضوراً يرفض أن يكون وقوداً في حربٍ تُدار لخدمة مصالح الآخرين، ويختار بدلًا من ذلك أن يبقى رقماً صعباً في معادلة لم تُحسم بعد.
rn 
rnوفي ختام هذا المشهد المضطرب، لا يملك المرء إلا أن يتمنى أن تواصل دول الخليج هذا النهج المتزن، وأن تظل وفيةً لخياراتها القائمة على تحكيم العقل لا الانجرار وراء العواصف. فثباتها على هذا الموقف لا يحمي استقرارها فحسب، بل يمنح المنطقة بأسرها فرصة لالتقاط أنفاسها، ويُبقي باب التوازن مفتوحاً في وجه مشاريع الفوضى. إن الاستمرار في هذا المسار ليس مجرد خيار سياسي، بل هو مسؤولية تاريخية تُراهن عليها شعوب المنطقة التي أنهكتها الحروب، وتبحث عن بصيص عقل في زمن الاندفاع والتهور والحسابات غير المنصبطة.
rn 

التعليقات