محاولة لتفكيك الراهن: ماذا يحتاج اليمن لتجاوز الجمود السياسي؟
- القدس العربي - أحمد الأغبري الأحد, 30 يوليو, 2023 - 10:38 صباحاً
محاولة لتفكيك الراهن: ماذا يحتاج اليمن لتجاوز الجمود السياسي؟

يعيش اليمن جمودًا على كافة المستويات، وخاصة سياسيًا، لأكثر من عام، وتحديدا منذ توقيع اتفاق الهدنة في نيسان/ابريل 2022 وحتى بعد انفراط عقد الهدنة في تشرين الأول/اكتوبر، إذ ما زال الأطراف يراوحون في ذات المربع؛ ما يدفع للسؤال بحثا في حيثيات هذا الجمود في سياق محاولة لتفكيك الراهن اليمني.

 

في المحور الأول نحاول قراءة الواقع السياسي هناك، في ظل ما يشهده من جمود على صعيد السؤال عمَن يقف وراء هذا الجمود، الذي يبدو أن الطرفين يصران عليه، وانطلاقا منه نسأل أيضا: ماذا يريد الطرفان من البقاء في ذات المربع الذي بدأت منه الحرب؟ وغيرها من الأسئلة التي تفرض نفسها في ذات السياق.

 

صراعات بينية

 

يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي، عبدالكريم غانم، لـ«القدس العربي» بإمكانية «قراءة الواقع السياسي اليمني الراهن من خلال العديد من المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية؛ فعلى المستوى المحلي يرفض الحوثيون الذهاب بالمفاوضات إلى ما هو أبعد مما يسمونه الملف الإنساني، وهو في الواقع ملف الثروات السيادية، وإن جاء تحت عناوين غير مباشرة، من قبيل (مرتبات الموظفين…الخ) فليس من ضمن خطتهم فتح أي حوار في إطار الحل السياسي الشامل للأزمة اليمنية، لاسيما أنهم تمكنوا من تجاوز الحصار الذي كان يُطبق على مناطق سيطرتهم، من خلال الحد من القيود التي كانت قائمة أمام حركة السفن القادمة إلى موانئ الحديدة، وتوسيع الرحلات الجوية من وإلى مطار صنعاء، الأمر الذي أسهم في رفد خزينتهم بأموال إضافية، لذا ليس من المتوقع أن يقدموا على الذهاب نحو السلام الدائم والحل السياسي الشامل، الذي يضمن مشاركة أطراف سياسية أخرى في السلطة، لاسيما أن هذه الأطراف، أي الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي تفتقر لوحدة الصف ووحدة الهدف، وتعاني من صرعات بينية ليس ثمة أفق قريب لحلها».

 

على المستوى الإقليمي يضيف: «يبدو أن علاقة الرياض بأبو ظبي ليست في أفضل حالاتها، الأمر الذي يدفع الأخيرة للوقوف موقف اللامبالاة تجاه حل الأزمة اليمنية، فأبو ظبي التي لا ترتبط بحدود برية مع اليمن، تبدو أقل اكتراثًا بإنهاء الحرب في اليمن، واحلال السلام الدائم، لأن ذلك يعني كبح مطامحها الجيوسياسية، ويعني طي صفحة التوتر الأمني على الحد الجنوبي للمملكة العربية السعودية، المنافس الأبرز للإمارات في استقطاب الاستثمارات والسياحة. وعلى المستوى الدولي يبدو أن المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الذي حاول جاهدًا إحداث اختراق باتجاه حل الأزمة اليمنية، صار أكثر ادراكًا لعواقب تقديم مكاسب مجانية لطرفٍ دون آخر، وهو ما يتجلى في مقاربته الراهنة، القائمة على ضرورة الحل السياسي الشامل، والتي تتطابق إلى حدٍ كبير مع رؤية الإدارة الأمريكية للحل، فجمود الموقف الدولي الراهن يجد تفسيره في تصلب موقف الحوثيين، ورفضهم تقديم تنازلات باتجاه استئناف مسار العملية السياسية، حيث يبدو أن الفاعلين الدوليين يراهنون على استجابة الحوثيين للضغط الذي يمكن أن يمارسه الموظفون المنقطعة رواتبهم منذ سنوات وغيرهم من شرائح المجتمع، على أمل أن يرضخوا لضغوط الأهالي في مناطق سيطرتهم ويجنحوا للقبول بالسلام الدائم والحل الشامل».

 

الجمود الراهن

 

يبقى السؤال: مَن يكرس هذا الجمود الذي يبدو أن الطرفين يصران عليه؟ يقول غانم: «على الرغم من أن حالة الجمود الراهنة في الأزمة اليمنية صارت تخدم مصالح العديد من القوى المحلية والإقليمية والدولية، إلا أن الحوثيين يتحملون المسؤولية المباشرة والأساسية فيما آلت إليه الأزمة اليمنية من جمود، جراء رفضهم للحل السياسي القائم على مشاركة مختلف الأطراف السياسية اليمنية في الحكم، الأمر الذي يترتب عليه المزيد من التعقيد، فعلى سبيل المثال يستفيد المجلس الانتقالي الجنوبي من حالة الجمود الراهنة في تحريض الشارع الجنوبي ضد مشروع الدولة اليمنية الواحدة، باعتباره غير قابل للتحقق على أرض الواقع، مدللا على ذلك بما هو حاصل من جمود، كما تستفيد بعض القوى الإقليمية من هذا الجمود من خلال تكريس حالة الانقسام بين الفصائل اليمنية لتحقيق مكاسب جيوسياسية، ولا يختلف الحال كثيرًا بالنسبة للمواقف الغربية التي ترفض أن تؤدي المصالحة السعودية الإيرانية إلى تمكين الحوثيين من انتزاع اتفاق يمنحهم مكاسب إضافية دون إلزامهم بتقديم تنازلات واضحة تضمن عدم تهديدهم للملاحة الدولية وتضمن انخراطهم في مسار التسوية السياسية».

 

ومن وجهة نظره، يرى عبدالكريم غانم «أن الحوثيين يراهنون على احتياج المملكة العربية السعودية لإنهاء الحرب العابرة للحدود، وتخليها عن دعم حلفائها المحليين، للإبقاء على الوضع القائم، كما يراهنون على قبضتهم الأمنية الشديدة في مناطق سيطرتهم، بما يضمن افشال أي انتفاضة شعبية محتملة، إلى جانب رهانهم على اختلاف خصومهم السياسيين، أي الأحزاب المنضوية في الحكومة المعترف بها دوليًا والمجلس الانتقالي الجنوبي. وتراهن الحكومة اليمنية على الاعتراف الدولي والتمسك بمرجعيات الحل السياسي، إلى جانب رهانها الأساسي على الدور السعودي والأممي في الضغط على الحوثيين لاستئناف المفاوضات والسعي لحل الأزمة، وهو رهان يحتاج إلى إعادة تقييم، فتأثير العامل الخارجي قلما يكون حاسمًا في انهاء النزاع، إذ يتحمل الفاعل المحلي في الغالب مسؤولية حسم الصراع».

 

العامل الخارجي

 

إلا إن قراءة ذلك لا تتم بمعزل عن فهم دور العامل الخارجي في إبقاء الوضع قائما، والسؤال: هل العامل الخارجي يصرّ على هذا الجمود إدراكا منه لفشل الحرب في تحقيق أي نتائج وكذا فشل السلام في تحقق ما يُفيد خلال المرحلة السابقة؟

 

يقول غانم «بعد أن أعلنت الرياض عزمها على طي صفحة تدخلها العسكري في اليمن باتت تفضل تجسيد دور الوسيط بدلًا من دور الحليف للحكومة اليمنية والمعني بإعادتها إلى السلطة، بما يمثله هذا التغير في الموقف من محدودية في تغيير الواقع على الأرض، وكما هو معلوم أن الطرف القابل للتأثر بالضغوط السعودية وضغوط الأمم المتحدة والقوى الغربية هو الحكومة اليمنية (الشرعية) التي تبدو أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات خلافًا للحوثيين الأقل استعدادًا للرضوخ للضغوط الدولية، وعلى الرغم من علاقة الحوثيين القوية بالنظام الإيراني، إلا إن من غير المتوقع أن تمارس طهران أي ضغطٍ يذكر على الحوثيين، فهي مستفيدة من فشل السلام وفشل الحل السياسي، فبدًلا من يمن مستقر تربطه علاقة ندية بطهران يفضل النظام الإيراني يمن يدين بالتبعية والولاء له».

 

النموذج الليبي

 

يبقى الأمر مرهونا بالعوامل التي يمكن القول من خلالها إن الأزمة اليمنية ذاهبة للنموذج الليبي في حال استمرار اللاحرب واللاسلم. وفي هذا يوضح أستاذ علم الاجتماع السياسي غانم «أن الأزمة اليمنية تتشابه في جوانب محدودة مع الأزمة الليبية منها: حالة المراوحة واللاحسم، وتعدد الأطراف الخارجية المؤثرة في الصراع، لكنها تختلف في تعقد الصراع السياسي، ففي اليمن يبدو المشهد وكأنه صراع إقليمي بالوكالة، وهو في جوهره صراع سياسي يمني يمني، للاستئثار بالسلطة، عبر توظيف الصراع الإقليمي كوسيلة للحصول على الدعم، مع عدم استعداد الوكيل المحلي للتبعية المطلقة للحليف الإقليمي، فانتهاء صراع القوى الإقليمية في اليمن أو تغير أجندتها لن يترتب عليه بالضرورة انتهاء الأزمة واحلال السلام والدخول في الحل السياسي، كما قد يحدث في ليبيا، فالأزمة اليمنية تتمثل في وجود حركات طائفية ومناطقية متشددة تمكنت خلال فترة الحرب من توظيف الصراع والتنافس المحلي والإقليمي لقضم أجزاء من الجغرافية اليمنية وبناء ميليشيات مسلحة على أنقاض دولة تنهار ومؤسسات عسكرية وأمنية تتعرض للانقسام والتفكيك، وقلما تحظى بما يلزم من دعم».

 

وأضاف: «ويمكن القول إن قابلية البلدان العربية للتأثر ببعضها، من حيث الثورات والحروب والتحول نحو السلام، قد تدفع باتجاه إحلال السلام، وإن لم يتحقق ذلك على المدى القريب، فرغم أن سياق الأزمة اليمنية ومقاربات حلها يختلف عنه في ليبيا، إلا إن حل الأزمة الليبية، الذي يبدو أقرب للتحقق، من المحتمل أن يسهم في الحد من تعقيدات الأزمة اليمنية».

 

ومع الاعتراف بقوة العامل الخارجي ومستوى تأثيره في الأزمة اليمنية ومدى تطورها وتعقيدها ووصولها إلى ما آلت إليه، إلا إنه- يقول عبدالكريم غانم – ليس العامل الوحيد الذي يحدد آفاق الحل السياسي، فاليمن الدولة الأكثر كثافة سكانية في شبه الجزيرة العربية، بلد شديد التعقيد، تتصارع فيه هويات مختلفة وتجمعه ثقافة مشتركة، ومن الصعوبة بمكان على القوى الخارجية فرض الوضع القائم عليه كأمر واقع، كما أن تراجع التدخل الخارجي في الشأن اليمني، وهو المرجح في المرحلة المقبلة، سيسهم في إضعاف فاعلية سلطات الأمر الواقع، ويحول دون قدرتها على تكريس الوضع القائم.

 

مآلات الجمود

 

في المحور الثاني سنقترب من فهم مآلات الجمود وكيفية تجاوزه. وهنا يرى رئيس تحرير منصة «خيوط» الكاتب، محمد عبدالوهاب الشيباني، أن ما اعتبره «اليمن المتهتك صار في المنطقة الرمادية تمامًا، لأنه لم يعش في اللاهدنة واللاحرب في تسعة أعوام. اختار الفرقاء اليوم هذه المساحة (الاستراحية) لاختبارات عدة، سيبنون عليها تقييماتهم للمكاسب التي سيجنونها من هذه الحالة شديدة الالتباس». وقال لـ«القدس العربي»: «بعد مفاوضات ولقاءات سرية طويلة وعلنية في ظهران الجنوب ومسقط وبغداد ابتداء من العام 2017 وبوساطة عمانية إقليمية دولية توصلت السعودية والحوثيين إلى اتفاق الهدنة الأول في 2 نيسان/ابريل 2022 والذي منح غطاء أمميا، لإضفاء الشرعية عليه. مُدد هذا الاتفاق لمرتين بين حزيران/يونيو وآب/اغسطس، غير أنه منذ تشرين الأول/اكتوبر بقي بدون توقيع تقريباً، ومع ذلك هو صامد حتى اليوم، وصار اليمن بسببه في حالة اللاهدنة واللاحرب. من الأولى استفاد الحوثيون لأنها أعفتهم من كثير من التزاماتهم كسلطة تجاه المجتمع (دفع المرتبات إرخاء القبضة الأمنية وفتح الطرقات) ومن الثانية استفادت دولتا التحالف بأنها أوجدت لهما مخرجاً من المستنقع، ورمي كل الأعباء على اليمنيين العُزَّل، الذين يكتوون بكل صنوف المرارات. لهذا فالجمود هو العنوان الأبرز لهذه الحالة المائعة التي تخدم الطرفين، دون اليمنيين التواقين إلى سلام دائم في البلد المتهتك، وغدا رهانهم على النخبة منعدماً، منذ صارت جزءا من لعبة الحرب وترتيباتها».

 

المجلس الرئاسي

 

وفيما يتعلق بوضع مجلس القيادة الرئاسي، وما حققه خلال عام منذ انشائه، يقول الشيباني: «تشكل المجلس الرئاسي في ذات أسبوع الهدنة الأولى، خدمة لتوجه دولتي التحالف في مسعاهما للخروج من مستنقع الحرب، وحتى يعطى بعداً وطنياً مقبولاً شُكل مناصفة بين الشمال والجنوب، غير أن الأخطر فيه انقسام ولاءات أعضائه بين العاصمتين (الرياض وأبو ظبي) ويتوزّعون جغرافياً على مناطق صعدة وصنعاء وتعز ومأرب وحضرموت وشبوة والضالع ويافع، في تمثيل جهوي صارخ بلبوس حزبية وميليشياوية فاضحة».

 

وأضاف «هذا المجلس الضعيف لا يمثل مشروعاً وطنياً جامعاً لليمنيين، بل يمثل مفاعيل القوة على الأرض، وقبل ذلك صُمم لتنفيذ أجندات رعاته، ولهذا لم يُحدث أي اختراق، لأن قراراته ليست بيده، ويعتمد تماسكه من عدمه على علاقات الدولتين، والتي قادت توتراتها الأخيرة إلى انقسامه وتذرره على المكونات الميليشياوية».

 

توازن الضعف

 

ومن وجهة نظره يري محمد عبدالوهاب الشيباني أن «السعودية، عملت طيلة سنوات الحرب، على إنتاج قاعدة لتوازن الضعف، وهي بالمناسبة سياسة تتبعها منذ عقود طويلة، تقف على هذه القاعدة جميع الأطراف الخاضعة لها ولحليفتها (الإمارات) ومن كان خارج سيطرتها الفعلية، ولم يقف عليها اليوم هي الجماعة الحوثية، التي كان ولاؤها الإيديولوجي والسياسي ولم يزل لإيران، ولهذا اختارت الطريق الأقصر بالتفاهم مع راعي الجماعة أولاً، ولهذا ما تم التفاهم حوله بشأن اليمن بين السعودية وإيران هو الذي سيكون وسيمضي وسيتحقق، خصوصاً وأن رغبة دولية وإقليمية تدعم هذا المسار، بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا، لتخفيف الضغط على أسواق الطاقة الدولية المتأثرة بالحرب الروسية – الأوكرانية؛ لأن دولتي التفاهم اللاعبتين الرئيسيتين في حرب اليمن هما من أهم منتجي الطاقة».

 

ماذا بعد؟

 

لم يعد هناك إلا القول إن اليمن بات أمام خيارات عديدة لتجاوز حالة اللاحرب واللاسلم، ولا يمكن الجزم بأي من هذه الخيارات سيتحقق حاليا أو لاحقا لتداخل المفاعيل بالعوامل؛ كما أن كل منها له حيثياته ومقدماته، وسيكون له نتائجه في بلد تزايد فيه أعداد اللاعبين والملاعب، وبالتالي أصبح الواقع أكثر تعقيدًا مما كان عليه قبل الحرب.

 


التعليقات